رأي

هل وقـع السـودان ضحيـة لجريمـة عـدوان ؟

د.إيناس محمد أحمد

كانت الحرب قبل الحرب العالمية الأولى تعد من الوسائل الأساسية المشروعة لتسوية النزاعات الدولية، بل كانت تصنف كحرب عادلة وغير عادلة دون تميز فيما إذا كانت تلك الحرب مشروعة أم لا، وفي كل الأحوال تظل الحرب الجزء المؤلم الذي لا يتجزأ عن تاريخ البشرية، تتغير أسباب الحرب لكن ألمها وخرابها ودمارها قاسم مشترك في كل العصور والأزمان .

لذلك اعتبر فقهاء القانون الدولي أن شن الحرب وإشعالها في حد ذاته جريمة تتسم بذاتية وخصوصية مختلفة عن بقية جرائم الحرب ، لأن جريمة العدوان هي المدخل لبقية جرائم الحرب لذلك أكدت عليها كل من محكمتي نورمبرج وطوكيو في أحكامها الصادرة تجاه كبار مجرمي الحرب الألمان بعد الحرب العالمية الثانية 1945م ، ومنذ ذلك الحين أضحت جريمة من الجرائم الدولية الخطيرة التي تستوجب المحاكمة والعقاب؛ لكن المدهش أنه منذ محاكمات نورمبرج وطوكيو لم تجر أية محاكمة دولية تجاة جرائم العدوان المرتكبة علي الصعيد الدولي على الرغم من اجراء محاكمات وتوقيع عقوبات على ارتكاب الجرائم الدولية الأخرى.

لم يتم إحياء فكرة المحاكمة والعقاب على جريمة العدوان إلا بعد إنشاء المحكمة الجنائية الدولية عام 1998م والتي نص نظامها الأساسي، المعروف بنظام روما، على جريمة العدوان باعتبارها تدخل ضمن الاختصاص الموضوعي للمحكمة ، لكن ظل اختصاص المحكمة غير مفعل نظراً لعدم الاستقرار علي تعريف حاسم لجريمة العدوان .

لاحقاً تمكنت الدول الأطراف للمحكمة الجنائية الدولية من وضع تعريف لجريمة العدوان ، وكان ذلك بمناسبة الاحتفال بالذكري العشرين لتوقيع نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في 17يوليو 2018م ، وكان القرار محل نقاش في نيويورك نظرا للتقاطعات السياسية والقانونية التي تؤثر على التطبيق القانوني الصحيح لها .

نجد أن ميثاق الأمم المتحدة نص في المادة 39 علي حفظ السلم والأمن الدوليين باعتبارها مسؤولية مجلس الأمن وكذلك تحديد وجود حالة عدوان، ولمجلس الأمن سلطات واسعة في اتخاذ تدابير وفرض عقوبات لإنهاء الاعتداءات التي ترتكبها أية دولة بالمخالفة للالتزامات المقررة في ميثاق الأمم المتحدة.
لكن حق الفيتو الذي تتمتع به الدول الدائمة في مجلس الأمن أدى إلى إضعاف مجلس الأمن، والمتابع لحق الفيتو وسلطات مجلس الأمن يجد أن عدم وجود قواعد توجيهية تساعد المجلس على تحديد الحالات التي تمثل عدواناً وفقاً لأحكام القانون الدولي وتمثل معايير استرشادية تساعد في تحديد الوصف القانوني لحالات العدوان التي تمثل جريمة دولية.

نتيجة لذلك نجد أن مجلس الأمن مثلا خلال فترة أربعين عاماً (1946_ 1986)، وعلى الرغم مما وقع خلال هذه الفترة من نزاعات مسلحة، لكنه لم يتخذ سوى قرارين فقط استنادا علي المادة 39 المتعلقة بانتهاك السلم والأمن الدوليين، الأولى في حالة الحرب الأهلية في كوريا 1950م والثانية في حالة جزر فوكلاند 1982م ، ولم يشر مجلس الأمن إلى غزو الاتحاد السوفيتي لافغانستان 1979م ولا غزو العراق للكويت 1990م ولا غزو أمريكا للعراق في 2003م ، والتي وصفت فيما بعد بأنها انتهاك للسلم وليس جريمة عدوان .

تاريخياً يذكر أرشيف القانون الدولي ان الحروب اندلعت في العديد من دول العالم ، واعتمدت الجمعية العامة للتعريف المقترح بدون تصويت بموجب القرار 3314 في 14 ديسمبر 1974م ، هذا القرار عرف العدوان بأنه استخدام القوة من قبل دولة ضد دولة أخرى أو سلامة أراضيها او استقلالها السياسي ، وأبرز أشكال العدوان وفق القرار 3314 هي الغزو أو الهجوم المسلح بقوات دولة ما لأراضي دولة أخرى والقصف بالقنابل أو حصار الموانئ أو السماح لدولة أخرى باستخدام القوات الموجودة داخل أراضي دولة أجنبية أو إرسال عصابات أو مرتزقة مسلحين لتقوم بأعمال قوة مسلحة.

ويعتبر القرار مرجعاً أساسياً في القانون الدولي وقضايا السلم والأمن الدوليين؛ كما أوضحت المحكمة الجنائية الدولية في نص المادة 8 مكرر من نظام روما الأساسي علي أن جريمة العدوان هي قيام شخص بوضع يمكنه من التحكم في العمل السياسي أو العسكري لدولة ما بتخطيط أو تنفيذ عمل عدواني يشكل انتهاكاً واضحاً لميثاق الأمم المتحدة.

بتطبيق ما سبق ذكره على الحرب في السودان، وما تأكد من اشتراك عدد من الدول في الحرب على السودان واستهداف سلامة مواطنيه ووحدة أراضيه بالتخطيط والتمويل، وفتح أراضي بعض الدول الجارة لأراضيها ومطاراتها لتمرير الأسلحة والمرتزقة وإيواء عناصر مليشيا الدعم السريع الإرهابية وتمويلهم لاستمرار الحرب، حيث يملك السودان أدلة دامغة على كل ذلك، سيتضح أن دولة الإمارات ومَن عاونها، أضحت متهمة بارتكاب جريمة العدوان ضد السودان، لكنه اتهام سيظل معلقاً طالما هناك فيتو يستخدم في مجلس الأمن ليعرقل مسار العدالة، وستظل الأصوات المنادية بتعديل ميثاق الأمم المتحدة و مجلس الأمن خاصة حق الفيتو تعلو كل يوم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى