رأي

إذا تغيّر المشهد في البحر الأحمر… هل السودان جاهز ؟

عادل الرفاعي ابوالحسن

التوترات تهدأ و تتصاعد، لكن البحر الأحمر لا ينتظر أحداً… فهل أعدّ السودان موانئه و ساحله و بنيته التحتية و قدراته البحرية لاستقبال السفن و الفرقاطات، و حماية مصالحه عندما يتغير المشهد؟

قد تقع أحداث كبيرة بعيداً عن السودان، أو بالقرب منه، من دون أن تكون لنا يد فيها، أو أن نكون طرفاً فيها، لكن ذلك لا يمنع وصول تداعياتها إلينا. فالتوترات في شرق البحر الأبيض المتوسط تهدأ و تتصاعد من حين لآخر، و قد تبدو المنطقة هادئة في لحظة، ثم تعود إلى الظهور و التصاعد، بما قد ينبئ بتطورات كبيرة في أي وقت. فالممرات البحرية مترابطة، و ما يحدث في شرق البحر الأبيض المتوسط، أو مضيق هرمز، أو باب المندب، يمكن أن ينعكس على البحر الأحمر، و على الملاحة و التجارة و الطاقة، و على أمن الموانئ و السواحل السودانية.

و التركيز على شرق البحر الأبيض المتوسط مهم بالنسبة للسودان، لارتباطه بمسارات التجارة و صادراتنا و وارداتنا، خاصة إلى أوروبا. أما مضيق هرمز، فعلى الرغم من أهميته، فقد تكون لبعض مساراته بدائل. ولذلك ينبغي أن ننظر إلى التطورات من زاوية مصالح السودان، و موقعه، و طبيعة تجارته.

و هنا يأتي مبدأ التحوّط (Prudence Principle): إذا كان احتمال وقوع تطور مؤثر قائماً، فإن الاستعداد له يصبح واجباً، حتى و إن لم نكن طرفاً فيه. فالدولة الرشيدة لا تنتظر الأزمة لتبدأ التفكير، بل تستعد قبلها.

و المطلوب من الجهات المختصة ليس متابعة الأحداث فقط، بل تحويل المتابعة إلى منظومة عمل: معلومات تُجمع، و تُحلل، و تُربط باتجاهات الأحداث، مع الاستفادة من التعاون و تبادل المعلومات مع الجهات النظيرة في الدول الصديقة. وما يحدث في شرق البحر الأبيض المتوسط من تغيرات في التوترات و المصالح و التحالفات ينبغي أن يُقرأ بعين سودانية: ماذا يعني للبحر الأحمر؟ و ماذا يمكن أن يعني لموانئنا، و تجارتنا، و أمننا؟

فالساحل السوداني ليس مجرد حدود بحرية، بل هو منفذ السودان إلى العالم و شريانه للتجارة الخارجية. عبره تمر صادراتنا، و تدخل وارداتنا، و ترتبط به إمدادات الغذاء و الطاقة و استقرار الاقتصاد. ولذلك فإن تطويره و حمايته قضية أمنية و اقتصادية و وطنية في آن واحد.

و من هنا يمكن تحويل السؤال إلى خطة عمل واضحة:

أولاً: الموانئ و البنية التحتية.

رفع كفاءة الموانئ و الأرصفة و الخدمات البحرية، و التأكد من قدرتها على استقبال السفن التجارية و القطع البحرية الزائرة وفق المتطلبات الفنية و القانونية، مع توفير خدمات التزود و التموين و الصيانة و الإسناد.

ثانياً: المراقبة و الإنذار المبكر.

إنشاء منظومة متكاملة لمراقبة الساحل و حركة الملاحة، تعتمد على الرادارات و الاتصالات و أنظمة التتبع و المعلومات البحرية، وتربط الجهات المختصة ضمن صورة تشغيلية مشتركة.

ثالثاً: القدرات البشرية و البحرية.

تأهيل الكوادر، و تطوير التدريب، و الاستفادة من التدريبات و المناورات البحرية المشتركة مع الدول الصديقة، بما يرفع الكفاءة و ينقل الخبرة و يعرّف الكوادر بأحدث التقنيات.

رابعاً: الاتفاقيات و التعاون الدولي.

مراجعة الاتفاقيات و التفاهمات البحرية القائمة، و تحديد ما يمكن تفعيله منها، و تحويلها من نصوص و تفاهمات إلى تعاون عملي يخدم البحرية السودانية و الموانئ و التجارة و الاقتصاد.

خامساً: المسح و الاستكشاف.

تنفيذ مسح بحري شامل باستخدام التقنيات الحديثة لمعرفة ما تخفيه مياهنا و قاع بحرنا من ثروات، من المعادن و الخامات و الثروة السمكية، إلى احتمالات النفط و الغاز.

سادساً: حماية الموارد و المنشآت.

وضع منظومة لحماية أي موارد أو منشآت بحرية مستقبلية، تشمل الإنتاج و النقل و التصدير، و التعامل مع المخاطر البحرية و البيئية و التشغيلية منذ مرحلة الاكتشاف و ليس بعد بدء الإنتاج.

سابعاً: تحويل البحر الأحمر إلى اقتصاد مولّد للفرص.

فالموانئ و الخدمات البحرية و اللوجستية، و الاستكشاف، و التعدين، و الطاقة، و الثروة السمكية، و الصناعات المرتبطة بها، ليست ملفات منفصلة؛ بل يمكن أن تكون حلقات في سلسلة اقتصادية واحدة، تبدأ بالموارد و تنتهي بمشاريع و إنتاج و قيمة مضافة و فرص عمل و خبرات جديدة لأبناء السودان.

و الحرب الدائرة في السودان قدمت لنا درساً لا يجوز إهداره. فقد كشفت مواطن القوة و الخلل، و أظهرت أهمية التدريب و التأهيل، و الحرب الإلكترونية، و الاستطلاع و التتبع، و المنظومات الذاتية و غير المأهولة، و التطور المتسارع في أدوات القتال. ولذلك ينبغي أن تتحول هذه الدروس إلى مراجعة عملية للقدرات و الاحتياجات و الأولويات، لا إلى مجرد ذكريات عن الحرب.

و من هنا يمكن التفكير في إنشاء منظومة وطنية متكاملة لإدارة البحر الأحمر و الساحل السوداني، تضم الجهات المختصة كافة، و تعمل برؤية واحدة، و تنسق المعلومات و الاختصاصات و الأولويات، بحيث يصبح البحر الأحمر ملفاً وطنياً متكاملاً يجمع بين الأمن و التجارة و الاستثمار و الاستكشاف و حماية الموارد و تطوير الموانئ و القدرات البحرية.

وهذه المنظومة لا تحتاج إلى انتظار الظروف المثالية. يمكن أن تبدأ بتقييم شامل للوضع الحالي، ثم تحديد الفجوات، ثم ترتيب الأولويات، ثم وضع مشروعات محددة بجدول زمني و مسؤوليات واضحة و مصادر تمويل و مؤشرات قياس، بحيث ينتقل السودان من الحديث عن البحر الأحمر إلى العمل من أجله.

فالهدف ليس الاستعداد للحرب وحدها، و لا انتظار أزمة محتملة، وإنما بناء قدرة وطنية تعمل في السلم، و تستمر في الأزمات، و تحمي التجارة و الموارد و المصالح السودانية في كل الظروف.

و إذا أردنا خيراً للسودان و للأجيال القادمة، فإن البحر الأحمر يجب أن يدخل ضمن رؤية أوسع لنهضة السودان: استثمار حقيقي في الإنسان و الموارد و الموانئ، و مؤسسات أكثر كفاءة، و اقتصاد مولّد للفرص، و دولة تعرف قيمة موقعها و ثرواتها و تعمل على تحويلها إلى قيمة مضافة.

لسنا مطالبين بمعرفة ما سيحدث، و لا بالدخول في صراعات الآخرين، و لا نملك التحكم في مسارها أو منع وقوعها؛ لكننا نملك أن نعرف ما نحتاج إليه، و أن نخطط له، و أن نبنيه قبل أن تفرضه علينا الأحداث.

و من البديهي أن السؤال اليوم بسيط و واضح: إذا حدث أو لم يحدث، هل سيكون السودان جاهزاً؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى