نعمان يوسف محمد **
في المقالات السابقة من هذه السلسلة، بدأنا من الأسرة وكيف تحمي دخلها في زمن التضخم، ثم انتقلنا إلى تنويع مصادر الدخل والادخار والاستثمار في المهارات، ومن اقتصاد النجاة إلى اقتصاد التعافي. وتناولنا بعد ذلك التمويل باعتباره أداة لتحريك الإنتاج، والمشروع الصغير باعتباره وسيلة لتحويل الفكرة إلى دخل، ثم التعاونيات باعتبارها وسيلة لجمع القدرات الصغيرة وتحويلها إلى قوة اقتصادية أكبر.
لكن هناك حلقة أخرى لا تقل أهمية، فقد يكون لدينا مزارع منتج، ومصنع قادر، وتاجر نشط، وشركة نقل، ومؤسسة تمويل، وسوق يحتاج إلى السلعة، ومع ذلك تظل القيمة الاقتصادية محدودة إذا لم ترتبط هذه الأطراف ببعضها. وهنا تظهر فكرة سلاسل القيمة: وهي ببساطة الطريقة التي ينتقل بها المنتج من المورد الأول إلى المستهلك النهائي، مروراً بكل المراحل التي تضيف إليه قيمة.
المنتج لا يصنع القيمة وحده:
المزارع ينتج المحصول، لكنه لا يستطيع، بالضرورة، أن يوصله وحده إلى المستهلك النهائي. فهناك من يوفر المدخلات الزراعية، ومن يمول الإنتاج، ومن يوفر الآلات والخدمات، ومن ينقل المحصول، ومن يخزنه، ومن يصنعه، ومن يعبئه، ومن يسوقه، ومن يوصله إلى الأسواق.
وكل هذه الحلقات تشارك في صناعة القيمة. ولهذا فإن الاقتصاد القوي لا ينظر إلى المزارع أو المصنع أو التاجر باعتباره نشاطاً منفصلاً، وإنما ينظر إليهم باعتبارهم أجزاء من منظومة اقتصادية واحدة. وعندما تكون هذه المنظومة مترابطة، يستفيد الجميع. أما عندما تكون الحلقات منفصلة وضعيفة، فقد ينجح طرف بينما يخسر طرف آخر، ويضيع جزء كبير من القيمة بينهما.
المشكلة ليست في الإنتاج فقط:
يمتلك السودان موارد زراعية وحيوانية وبشرية واسعة، وينتج عدداً كبيراً من المحاصيل والسلع. لكن جزءاً مهماً من المشكلة يكمن في أننا كثيرا ما نبيع المنتج في مرحلة مبكرة من سلسلة القيمة. وهي أن المحصول يخرج من المزرعة، ثم يباع خاماً والثروة الحيوانية قد تغادر البلاد دون الاستفادة الكاملة من مراحل التصنيع المرتبطة بها ، والمنتجات الغذائية قد تصل إلى السوق دون تعبئة أو تصنيع كافٍ. وكذلك الحرف والمنتجات المنزلية قد تبقى محصورة في أسواق صغيرة رغم إمكانية الوصول إلى أسواق أوسع.
وهنا تضيع فرص كبيرة في القيمة المضافة والتشغيل والدخل. فالمشكلة ليست دائما أننا لا ننتج، وإنما أننا لا نحصل على كامل القيمة الاقتصادية الممكنة من إنتاجنا.
القيمة المضافة تبدأ بعد الإنتاج:
لنفترض أن مزارعاً ينتج محصولاً معيناً، وعندما يبيعه مباشرة بعد الحصاد، يحصل على قيمة محددة. لكن إذا أمكن تنظيف المحصول وفرزه وتجفيفه وتخزينه وتعبئته وتصنيعه وتسويقه، فإن القيمة الاقتصادية للمنتج ترتفع في كل مرحلة. وبجانب زيادة قيمة السلعة، تنشأ أنشطة اقتصادية جديدة؛ عمالة، نقل، تخزين، تعبئة، تصنيع، تسويق، خدمات مالية، صيانة وتكنولوجيا. وهكذا لا تعود الزراعة مجرد إنتاج محصول، وإنما تصبح منظومة اقتصادية واسعة. وهذا هو جوهر سلاسل القيمة.
من المزرعة إلى المصنع:
أحد أكبر التحديات أمام الإنتاج الزراعي هو ضعف الارتباط بين المنتج الزراعي والصناعة. حيث يمكن أن ينتج المزارعون كميات كبيرة من محصول معين، بينما يعمل مصنع التصنيع بأقل من طاقته بسبب عدم انتظام الإمداد أو ضعف الجودة أو غياب التعاقدات. وفي المقابل قد يحتاج المصنع إلى خامات مستوردة بينما توجد الموارد المحلية، لكنها غير منظمة أو غير متاحة بالمواصفات المطلوبة. وبالتالي لا يكمن الحل فقط في زيادة الإنتاج، بل في تنظيم العلاقة بين المزارع والمصنع. ويمكن أن تبدأ هذه العلاقة بعقود واضحة، ومواصفات معروفة، وجدول إنتاج، وترتيبات للتمويل والتوريد والاستلام. عندها يعرف المزارع ما الذي ينتجه، ولمن سيبيعه، وبأي مواصفات، ويعرف المصنع حجم الإمدادات التي يمكن الاعتماد عليها. وهنا تتحول الزراعة من نشاط يعتمد بصورة كبيرة على السوق العابر إلى جزء من منظومة إنتاج مخططة.
التمويل يجب أن يتحرك مع السلسلة:
سلاسل القيمة تفتح أيضا بابا جديدا للتمويل. فبدل أن ينظر الممول إلى المزارع أو المصنع أو التاجر باعتبارهم ملفات منفصلة، يمكن النظر إلى السلسلة الاقتصادية كلها. فالمزارع يحتاج إلى تمويل المدخلات والمصنع يحتاج إلى تمويل التشغيل وشراء الخام والتاجر يحتاج إلى تمويل المخزون والناقل يحتاج إلى تمويل الخدمة وهكذا توجد احتياجات مالية في كل حلقة. فإذا ما تم تنسيق التمويل مع حركة المنتج، يمكن أن يصبح أكثر كفاءة وأقل مخاطرة.
فالتمويل الذي يرتبط بإنتاج له سوق معروف، ومشتري محدد، وتدفقات نقدية متوقعة، يختلف عن تمويل نشاط لا توجد حوله رؤية واضحة للسوق. وهنا يمكن للمصارف ومؤسسات التمويل الأصغر أن تلعب دورا أكبر في تمويل السلاسل بدل تمويل الوحدات المنفردة فقط.
التخزين جزء من الإنتاج:
في الاقتصاد الزراعي، لا تنتهي المشكلة عند الحصاد. فقد يكون الإنتاج وفيرا في موسم معين، فتتراجع الأسعار بصورة حادة، ويضطر المنتج إلى البيع بسرعة بسبب حاجته إلى السيولة أو عدم توفر التخزين. ثم ترتفع الأسعار بعد ذلك عندما يقل المعروض.
هذه الدورة تضر بالمزارع والمستهلك معا. ولهذا فإن التخزين ليس مجرد خدمة لوجستية، وإنما جزء من إدارة سلسلة القيمة. المخازن، والصوامع، والتبريد، ومراكز التجميع يمكن أن تساعد على تقليل الفاقد، وتحسين الجودة، وإطالة فترة التسويق، وتحقيق توزيع أفضل للإنتاج على مدار العام.
النقل يربط الحلقات:
يمكن أن يكون المنتج جيدا والسوق موجودا، لكن ضعف النقل يرفع التكلفة ويقلل القدرة التنافسية. فكلما طال الطريق أو ارتفعت تكلفة النقل أو زادت نسبة التلف، انخفضت القيمة التي تصل إلى المنتج النهائي. ولهذا فإن تحسين النقل والطرق والخدمات اللوجستية ليس مجرد قضية بنية تحتية، بل هو جزء من السياسة الإنتاجية نفسها. وفي ذلك تحتاج سلسلة القيمة الناجحة إلى انتقال المنتج في الوقت المناسب، وبالتكلفة المناسبة، وبأقل فاقد ممكن.
السوق يجب أن يأتي مبكرا:
من المشكلات المتكررة أن يبدأ الإنتاج أولا ثم يبدأ البحث عن السوق بعد ذلك. لكن سلاسل القيمة تقلب هذه المعادلة:
– السوق يجب أن يكون حاضرا منذ البداية.
– المواصفات التي يريدها المستهلك يجب أن تصل إلى المنتج.
– وحجم الطلب يجب أن يساعد في تحديد حجم الإنتاج.
– والسعر المتوقع يجب أن يدخل في حسابات المنتج.
وهكذا يصبح الإنتاج أكثر ارتباطا بالطلب. فليس المطلوب أن ننتج أكثر فقط، بل أن ننتج ما يمكن بيعه، بالجودة التي يحتاجها السوق، وفي الوقت الذي يحتاجه.
المنتج الصغير يحتاج إلى السلسلة أكثر من غيره:
المشروعات الصغيرة غالبا ما تكون الأضعف في الوصول إلى الأسواق والتمويل والمعلومات. ولهذا يمكن أن تكون سلاسل القيمة فرصة مهمة لها:
– المزارع الصغير يمكن أن يدخل في مجموعة إنتاجية أو تعاونية.
– والحرفي يمكن أن يعمل ضمن شبكة من المنتجين.
– والأسرة المنتجة يمكن أن ترتبط بمنصة تسويق.
– والتعاونية يمكن أن تتولى التجميع والتخزين والتسويق.
وبذلك لا يحتاج المنتج الصغير إلى امتلاك كل عناصر السلسلة بنفسه. بل يكفي أن يكون جزءا من سلسلة تعمل بصورة جيدة.
التعاونيات يمكن أن تكون حلقة الوصل:
وهنا يلتقي هذا المقال مع المقال السابق حول التعاونيات. فالجمعية التعاونية تستطيع أن تجمع الإنتاج، وتوحد المواصفات، وتوفر المدخلات، وتفاوض المشترين، وتدير التخزين أو التسويق، وتساعد الأعضاء على الوصول إلى التمويل. وبذلك تتحول من مجرد تجمع للمنتجين إلى حلقة اقتصادية تربط المنتج بالسوق. وهذا الدور يمكن أن يكون مهما جدا في المناطق الزراعية والريفية، حيث تنتشر المشروعات الصغيرة والمنتجون محدودو الحجم.
التكنولوجيا تختصر المسافة:
يمكن للتكنولوجيا أن تجعل سلاسل القيمة أكثر شفافية وكفاءة. فالهاتف المحمول والمنصات الرقمية يمكن أن تساعد في معرفة الأسعار، وتبادل المعلومات، وتسجيل الطلبات، وربط المنتجين بالمشترين، وتنظيم المدفوعات. كما يمكن للبيانات أن تساعد المؤسسات المالية على فهم حركة النشاط الاقتصادي وتقييم المخاطر بصورة أفضل. وفي المستقبل يمكن أن تصبح المنصات الرقمية وسيلة لربط مزارع صغير في منطقة بعيدة بمشتري أو مصنع في مدينة أخرى. مما يؤكد أن التكنولوجيا لا تختصر المسافة الجغرافية فقط، بل يمكن أن تختصر المسافة الاقتصادية بين المنتج والسوق.
سلاسل القيمة تخلق وظائف أكثر:
عندما ننظر إلى المنتج باعتباره سلسلة، تظهر فرص العمل التي لا تظهر عند النظر إلى مرحلة الإنتاج وحدها. فالمحصول يحتاج إلى مدخلات، ثم إلى خدمات زراعية، ثم إلى تجميع، ثم إلى نقل، ثم إلى تخزين، ثم إلى تصنيع،. ثم إلى تعبئة، ثم إلى تسويق ثم إلى توزيع. وكل مرحلة تحتاج إلى أشخاص ومشروعات وخدمات. ولهذا فإن تطوير سلاسل القيمة يمكن أن يكون من أكثر الوسائل فاعلية في خلق فرص العمل خارج الوظائف التقليدية.
السودان لا يحتاج إلى تصدير موارده فقط:
التحدي الحقيقي في المرحلة القادمة ليس فقط زيادة الصادرات، وإنما زيادة القيمة التي نحتفظ بها داخل الاقتصاد السوداني قبل التصدير. فكلما صدرنا مادة خاما، تركنا جزءا من فرص التصنيع والعمل والخدمات في الخارج. أما عندما نصنع ونعبئ ونخزن ونسوق جزءا أكبر من المنتج محليا، فإن القيمة تتوزع على عدد أكبر من السودانيين. وهنا يصبح التصنيع المحلي، حتى في المشروعات الصغيرة والمتوسطة، جزءا من استراتيجية التعافي.
كيف نبني سلسلة قيمة ناجحة؟
لا تحتاج كل سلسلة إلى مشروع ضخم. لكنها تحتاج إلى عدد من العناصر الأساسية:
– منتجون منظمون قادرون على توفير كميات وجودة مناسبة.
– سوق واضح يعرف المنتج من خلاله ما الذي يمكن بيعه.
– بنية للتجميع والتخزين والنقل تقلل الفاقد والتكلفة.
– تصنيع أو معالجة تضيف قيمة إلى المنتج.
– تمويل مناسب يغطي احتياجات الحلقات المختلفة.
– معلومات وبيانات تساعد على اتخاذ القرار.
– حوكمة وعقود واضحة تحدد حقوق والتزامات الأطراف.
– وتكنولوجيا تسهل التواصل والتسويق والمدفوعات وإدارة المعلومات.
وعندما تعمل هذه العناصر معا، تصبح السلسلة أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
من سلسلة ضعيفة إلى اقتصاد متكامل:
يمكن أن يبدأ بناء سلاسل القيمة من قطاعات محددة تتمتع السودان فيها بميزة واضحة: الزراعة والغذاء، الثروة الحيوانية والجلود، الزيوت، الحبوب، الخضر والفاكهة، القطن، الصناعات الغذائية، الحِرف والمنتجات المحلية، وغير هذه من القطاعات التي يمكن أن تربط الإنتاج المحلي بالتصنيع والأسواق.
وليس المطلوب بناء منظومات ضخمة دفعة واحدة. وإنما الأفضل هو البدء بسلاسل محددة، في مناطق محددة، واختبار النموذج، ثم تطويره وتوسيعه.
من المنتج إلى الاقتصاد:
عندما يرتبط المزارع بالمصنع، والمصنع بالموزع، والموزع بالسوق، والممول بالإنتاج، ومقدم الخدمات بالسلسلة، فإن الاقتصاد يبدأ في العمل بطريقة مختلفة. كل طرف يجد سوقا أكثر وضوحا وكل حلقة تحصل على فرصة للنمو وكل زيادة في الإنتاج تخلق طلبا على خدمات أخرى. وهكذا يتحول النشاط الاقتصادي من مجموعة أنشطة متفرقة إلى منظومة مترابطة.
وهذا هو جوهر التعافي الاقتصادي الحقيقي. فالتعافي لا يعني أن يعود كل نشاط إلى ما كان عليه قبل الحرب فقط، بل أن نعيد بناء الاقتصاد بطريقة أكثر كفاءة وترابطا وقدرة على خلق القيمة.
من المزرعة إلى المستقبل:
بدأنا هذه السلسلة من نقطة قريبة جدا من حياة الناس: كيف تحمي الأسرة دخلها؟. ثم انتقلنا إلى الادخار وتنويع الدخل والمهارات، ثم الإنتاج، والتمويل، والمشروع الصغير، والتعاون. واليوم وصلنا إلى فكرة أوسع؛ لا يكفي أن ينتج كل منا بمفرده؛ علينا أن نربط الإنتاج ببعضه. فالمزارع يحتاج إلى المصنع. والمصنع يحتاج إلى المزارع. وكلاهما يحتاج إلى التمويل والنقل والتخزين والطاقة والتكنولوجيا والتسويق. وعندما تتصل هذه الحلقات، تتضاعف القيمة التي يمكن أن يولدها الاقتصاد.
إن السودان لا يحتاج فقط إلى العودة إلى الإنتاج، وإنما يحتاج إلى إعادة بناء الطريقة التي يتحرك بها الإنتاج من الأرض إلى السوق. فالهدف ليس أن نزرع أكثر فقط، ولا أن نصنع أكثر فقط، ولا أن نصدر أكثر فقط. وإنما الهدف أن نضيف قيمة أكبر، ونخلق وظائف أكثر، ونحتفظ بجزء أكبر من العائد داخل الاقتصاد السوداني. ومن هنا تبدأ سلاسل القيمة في التحول من مفهوم اقتصادي إلى أداة عملية للتعافي.
فالمزرعة وحدها لا تصنع اقتصادا، والمصنع وحده لا يصنع اقتصادا؛ لكن عندما ترتبط المزرعة بالمصنع، والمنتج بالسوق، والتمويل بالإنتاج، والتكنولوجيا بالخدمة، تتحول الموارد المتفرقة إلى اقتصاد متكامل.