وقف محمد عثمان إبراهيم قبالة تمثال سوديرمان في الشارع الأشهر في جاكارتا ، كانت السيارة التي تطوي الشارع في تؤدة يقودها الصديق محمد ضيف الله وكان لا يفتأ يحدث ضيفنا محمد عثمان ابراهبم ويحكي عن معالم جاكارتا والسيارة تتهادى في شارع سوديرمان .
(2)
النصب التذكاري الوطني والذي يسمى برج موناس يبدو للعيان غير بعيد ويُرى ارتفاعه الشاهق والذي يبلغ 134 متراً يبدو وكأنه يعانق عنان السماء يداعب النجيمات البعيدة ومشرئباً للفجر في القلب وهو يطل على اجنح غيمة ( كما قال تاج السر الحسن عن البلاد الاندونيسية حيث نقف) ، يقول محمد ضيف الله : علي قمة هذا البرج كل ما يلمع فيها هو ذهب خالص !! والشعلة التي تتوهج اعلى القمة تزن خمسين كيلوجرام من الذهب الخالص تبدد الظلمة وتحيل الليل نهار ، أنجال محمد عثمان ابراهيم (حفظهم الله) يقفزون من السيارة قبل ان تتوقف جيداً ليأخذو صوراً تذكارية حقيقية يشمخ فيها برج موناس عالياً وشعلة الذهب الخالص تتوهج فوق قمته ، وعند أُخمص قدميه وقفنا نتأمل الإرتفاع الشامخ للمعلم السياحي الأبرز والذي يُعد رمزاً تأريخياً يعتز به أهل إندونيسا ويهفو لزيارته عشرات الألاف من السياح من خارج البلاد .
(3)
ساحة الاستقلال التي بُني عليها برج موناس او ساحة المرديكا او ساحة الحرية تُعد من اشهر معالم إندونيسيا وموناس بشغلته الذهبية المتوهجة يشمخ في قلب الساحة رمزاً للنأريخ وللاستقلال ويشهد على عظمة إنسان إندونيسيا الذي طوع الذهب وصيره شعلة للاستقلال والشموخ وعزة النفس وقد تم افتتاح هذا النصب التذكاري العظيم في منتصف السبعينات من القرن الماضي .
(4)
محمد عثمان إبراهيم يستمع بإهتمام الي محمد ضيف الله والعربة ما زالت تسير ببط في شارع سوديرمان اذ قال الثاني ان معظم هذه البنايات الشاهقة التي تراها الآن تطل ذات اليمين وذات اليسار علي الشارع الأشهر في جاكرتا لم تكن موجودة حين حضوري الي هذا البلد قبل حوالي ثلاث عقود من الان . إلا ان المبني الذي يشهق امامك والذي يضم (فندق اندونيسيا ) كان يقف وحده هناك وما زال بذات البريق والبهاء والجمال يقف زينة للشارع الكبير ومعالمه المبهرة ، اما المبني الآخر والذي يبدو ككتاب مفتوح فهو مبنى (فندق حياة ربجنسي) الشهير وهو الاخر يقف ليريك عظمة التصميم ودقة تفاصيل زوايا الجمال فيه . عندها صاح محمد عثمان ما اجمله من كتاب ضخم فمن اي ناحية تنظره فهو كتاب مفتوح قطعت على محمد عثمان أفكاره لانني اعلم تماماً ( لما تسرح وين تودي ) قلت له تعرف يا محمد هذا المبني الذي يقف امامنا كأنه يمثل ما قاله الشاعر سيداحمد الحاردلو في ديوانه الأشهر يرد علي من سأله من وين انت ؟ وعندما أجابه انه من السودان ؟ سأله مُحدثه مجدداً والسودان دا وين ؟ فكتب الحاردلو قصيدته المشهورة التي تأخذه في جولة تريه من هو السودان ثم شنو هو السودان قبل ان يقول له( ونحن كِتاب عِلمْ مفتوحْ على كل البُلودات ..نُورْ ، ونحن – يمين – مَداين نورْ ،ووشنا نورْ ) رد محمد وليت الحاردلو كان بيننا الآن لرأى كيف تبني الأُمم تأريخها كتاب علم مفتوح على كل البلودات نور !وذهب خالص ! بهذه الضخامة والوسامة والشموخ ولأتم قصيدته امام هذا الصرح الشامخ بمثلما قال به في حق وطنه ( نحن الشانْ / ونحن النانْ / أتينا عشانْ / نسوى الدّنيا للإنسانْ / تقول لي شنو ؟ / وتقول لي منو؟)
(5)
محمد عثمان ابراهيم ما زال يستمع باهتمام ل محمد ضيف الله الذي طفق يعدد المعالم الرئيسة في الشارع الاهم في جاكرتا ومنها
منطقة سوديرمان المركزية للأعمال التي تعتبر مركز مالي وتجاري في قلب العاصمة جاكرتا . ويشير ضيف الله الي نقطة التقاء شارع سوديرمان مع شارع تأمرين الشهير حيث تقوم نافورة ضخمة تبدع في إطلاق زخات من المياه تتشكل وتتلون لتجعل من المكان لوحة في غاية الجمال والإبهار .
(6)
والصديق مصطفى عبدالعزيز ، أشهد وأقر وأعترف بأنني تعلمت منه الكتابة بالمصطلحات والمفردات الموغلة في الفصاحة والأدب بل يصدق معه ناحيتي قول الشاعر محجوب شريف ( علمنا الرماية / والحُجي والقراية / والمشي بمهابة في الضُحى والظلام ) . وإن كانت سخرية كتاباته مصطفى تبعدنا فراسخ وأميال ضوئية عن نجوع كتاباته التي هي نجيمات بعيدة تتلألأ في سماء الكتابات في السودان . وأذكر أن مفردة أُفتدحوا هي التي قادتني إلى حوار طويل مع مصطفى عبدالعزيز البطل إكتشفت بعده أنني يمكن ان أصبح كاتب ( ما بطال شديد ) علي قول عمر إبراهيم الحسن .
(7)
وعمر إبراهيم الذي سألته أُمه ذات إمتحان صعب في المدرسة وهو بعد طفل في السادسة من عمره : (إشتغلت كيف في الامتحان يا عمر ؟ ) وقف عمر يتأمل السؤال الصعب قبل أن يجيب أمه ( والله ما بطال شديد يا ماما ) كتمت ضحكتي وأنا أجلس غير بعيد أترقب ردة فعل ( ماما ) : كيف يعني ؟ يعني بطال؟ مُشْ ؟ قبل أن أتدخل لاقول لها : طالما ما بطال شديد برضو كويس ! ومن يومها صارت جملة عمر مقياس للأداء في كل عمل يجتهد فيه صاحبه ويُقِّيِمُهُ بكل تواضع إنه ( ما بطال شديد ) !!
(
وأشهد ان الذي جرني الي دنيا الكتابة ما كان شخص آخر غير مصطفى البطل كتب ذات يوم في صحيفته السيارة وعبر عدة وسائط وتحت عنوان (خاطرات المهندسين) { لم يفتأ إبراهيم يبرني بالدرر من الخاطرات عبر المراسلات الخاصة ثم يلتوي ويتأبي على رجائي التصريح بالنشر ولكنني ألزمته بالموافقة على نشر هذه الخاطرات حول قصيدة (هذا الذي تعرف البطحاء وطأته) فالتزم } هكذا جاء مدخلي الي عالم الكتابة في طريق قطعته غرباً بإتجاه الشرق يقف على سدته البطل حين ختم مقالة خاطرات المهندسين بقولي له ( ما أجمل اللغة العربية يا البطل،وهي(تستنطق) الفطاحل مثل الفرزدق، الذي كُنّى بذلك ل (ضخامة وجهه وصرامة تقاطيعه، ومع ذلك لم تستطع (فظاظة المظهر) أن تمنع (رقة المخبر)، حلو شعره أن يسيل وينسرب، متى شاقه الوجد والطرب (غرباً باتجاه الشرق) . وإنتهز فرصة الإحتفال باليوم العالمي للكتاب والذي يصادف يوم 23 أبريل من كل عام والذي من اهدافه هذا العام التأكيد علي اهمية الكتاب الوعاء الحافظ للتراث الانساني من الاندثار ، وذاكرة الانسانية التي تنقل هوية الشعوب وحضاراتها. واهدي شعار هذا العام الذي يقول (الكتاب حلم بين يديك ) للعزيز البطل مصطفى الذي شجعني على ان تكون الكتابة والكتاب حلم بين يدي.
(9)
وبكل حلو الحديث عند نافورة تقاطع شارع تأمرين مع شارع سوديرمان بجاكرتا وعندما نعبر الي الامام قليلاً نتوقف عند تمثال (جيندرال سوديرمان ) تُطل سيرة مصطفى البطل وتجربتي معه حين جرني الي عالم الكتابة وقد كان محمد عثمان ابراهيم شهود عدل علي ذلك ، وحينما قال مضيفنا محمد ضيف الله ان سوديرمان كان بطل معروف في التأريخ الإندونيسي لذا تم انشاء هذا النصب التذكاري لتخليده . لانه كان بطل عظيم اي كان (باهلاوان) والكلمة تعني وتطلق علي البطل القومي الشجاع وكل شخص بطل وله تأريخ عريق وأعمال كبيرة ) هكذا هي مفردة بهلوان ومعناها في اللغة الإندونيسية . أما البهلوان في اللغة العربية هو الشخص البارع الذي يقدر على إثارة الدهشة ويأتي دائماً بافعال صعبة ومبهرة ولديه قدرات إستثنائية.
(10)
إلتفت ناحية محمد عثمان إبراهيم لأقول له إذاً صديقك مصطفى البطل (بهلوان) ! ثم وعدته أن أكتب عن صديقي مصطفى عبدالعزيز البطل (البهلوان) بمناسبة وقوفنا امام تمثال البهلوان البطل ومناسبة العيد القومي للكتاب ، وأنا على قناعة تامة بأنه بهلوان – بأي لغة كانت – بل بهلوان كبير ! وهانذا أفعل .