رأي

حزام البحر الأحمر المشتعل .. والسودان في عين العاصفة

د. محمد يوسف حسن

لم يعد البحر الأحمر خطاً أزرقاً على الخريطة يفصل شبه الجزيرة العربية عن أفريقيا. لقد تحول إلى واحدة من أكثر الساحات سخونة في النظام الدولي الجديد، حيث تتقاطع مصالح التجارة العالمية وأمن الطاقة ومكافحة الإرهاب والتنافس بين القوى الكبرى والإقليمية.

من مضيق باب المندب إلى سواحل الصومال، ومن القاهرة إلى الخرطوم وأسمرا، صارت دول الساحل جزءاً من معادلة واحدة. لم تعد أزمات اليمن أو السودان أو القرن الأفريقي ملفات منفصلة، بل فصولاً متداخلة في قصة واحدة بدأت في الجنوب ولن تنتهي هناك.

وقد كشفت تقارير غربية حديثة عن اتصالات مباشرة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان سبقت الضربات الأخيرة ضد الحوثيين. نقلت الرياض خلالها مخاوفها من تصاعد نشاط الجماعة، وحصلت على دعم أمريكي واضح. لكن هذه العودة للتنسيق لا تشبه العلاقة القديمة. فبعد سنوات من الفتور والتباين حول ملف اليمن وإيران وحجم الدور الأمريكي في المنطقة، فرضت التحولات الدولية واقعاً جديداً. فواشنطن اليوم تحتاج شريكاً إقليمياً قادراً على تأمين ممرات الملاحة وضبط إيقاع الخليج.. والرياض تحتاج مظلة دولية تدعم مشروعها التنموي وتوفر استقراراً في محيطها المباشر. الفارق الجوهري أن هذه الشراكة تولد في عالم لم يعد أحادي القطب. لم يعد خيار “مع أو ضد” مجدياً. النجاح الآن لمن يستطيع إدارة توازناته بين واشنطن وبكين وموسكو دون أن يفقد بوصلته الوطنية.

لقد أثبتت أزمة الحوثيين أن أمن الملاحة في باب المندب لم يعد شأناً يمنياً فقط. إنه قضية عالمية. فأي اضطراب في هذا الممر يرفع فوراً كلفة الشحن ويضرب سلاسل الإمداد ويهدد أسواق الطاقة. ومن هنا برز تصور استراتيجي جديد يقوم على ربط أمن الخليج بأمن القرن الأفريقي في إطار واحد. يمكن تسميته “حزام البحر الأحمر الأمني”. ليس تحالفاً عسكرياً معلناً، بل إدراكاً عملياً بأن الفوضى في أي طرف ستجر الطرف الآخر حتماً. وفي هذا الحزام تمثل السعودية المحرك الأساسي بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي وشبكة علاقاتها مع القاهرة والخرطوم وعواصم القرن الأفريقي. لكن أي حزام أمني يحتاج إلى قاعدة صلبة ترتكز عليها، وهنا يبرز الدور الأفريقي الحاسم. تمثل مصر المدخل الشمالي عبر قناة السويس، شريان التجارة العالمي. وتملك إريتريا موقعاً استراتيجياً مباشراً قرب باب المندب. أما السودان فيحتل الموقع الأكثر حساسية لأنه يجمع بين ساحل طويل على البحر الأحمر وعمق أفريقي واسع وارتباط تاريخي بالعالم العربي. هذه الدول لا تحتاج بالضرورة إلى حلف مغلق، بقدر ما تحتاج إلى تفاهم عملي يدرك أن التهديدات العابرة للحدود لا يمكن مواجهتها بشكل منفرد. فالتهريب والهجرة غير النظامية والجماعات المتطرفة لا تعترف بالخرائط. وما يجري في اليمن يرتد على الصومال، وما يجري في الصومال ينعكس على الجزيرة العربية. فأمن البحر الأحمر لا يقبل التجزئة.

وهنا يصل التحليل إلى النقطة الأكثر تعقيداً: السودان. فالسودان ليس مجرد دولة تعاني حرباً داخلية، بل هو المفصل الجغرافي الذي يربط الخليج بأفريقيا. إن استقراره يمكن أن يحوله إلى شريك فاعل في منظومة أمن البحر الأحمر، وإلى جسر اقتصادي وسياسي بين العالم العربي والقارة الأفريقية، وسوقاً وعمقاً استراتيجياً للاستثمار. أما استمرار الحرب فيحوله إلى ثغرة أمنية تنفذ منها شبكات السلاح والتهريب والجماعات المسلحة وقوى النفوذ الخارجي.

لكن جوهر الأزمة في السودان أعمق من الحرب نفسها. المشكلة تكمن في وجود مشروع قوة موازية للدولة. فالدعم السريع لم يعد مجرد تشكيل عسكري يمكن إعادة تأهيله ودمجه. لقد تحول إلى كيان قوض مؤسسات الدولة وهدد نسيجها الاجتماعي، ويتلقى دعماً خارجياً يجعله ورقة نفوذ إقليمية. التجارب القريبة في الإقليم تقول بوضوح إن الجماعات المسلحة التي خرجت من عباءة الدولة لا تصنع سلاماً مستداماً. الحوثيون في اليمن مثال صارخ. بدأوا كحركة محلية وانتهوا يهددون ممراً دولياً. لذلك فإن أي حل مستدام في السودان وفي البحر الأحمر يبدأ بإنهاء منطق الميليشيات، لا بإعادة تدويرها داخل معادلة الحكم.

في المقابل، لا يمكن تجاهل حضور اللاعبين الدوليين والإقليميين. الصين تتحرك عبر الاقتصاد والموارد والاستثمارات. وروسيا تبني حضورها عبر ملفات التعدين والتعاون الأمني. والإمارات سعت خلال العقد الماضي لبناء نفوذ بحري واستثماري في الموانئ والقرن الأفريقي. لكن البحر الأحمر ليس ساحة فارغة يمكن إعادة تشكيلها بعيداً عن الجغرافيا والتاريخ. فالدول المطلة عليه تمتلك حقاً أصيلاً في إدارته. وأي دور خارجي مهما كانت أدواته يحتاج أن ينسجم مع مصالح هذه الدول لا أن يصطدم بها. والسودان تحديداً لا يحتاج أن يختار بين الشرق والغرب. هو يحتاج أن يستعيد دولته ومؤسساته أولاً. فلا موقع جغرافي ولا موارد طبيعية تتحول إلى قوة حقيقية بدون دولة مستقرة.

يدخل البحر الأحمر اليوم مرحلة مفصلية. لم تعد تحسمها البوارج الحربية وحدها، بل تحسمها القدرة على بناء تفاهمات إقليمية حول أمن التجارة ومواجهة التطرف وتحقيق التنمية. وفي قلب هذه المرحلة يقف السودان. لكن التحدي أمام السودان ليس في خياره شرق او غرب، بل قدرته على إدارة علاقاته الدولية وفق مصلحته الوطنية. ولذلك أمامه خياران لا ثالث لهما. إما أن يرمم بيته ويستعيد دوره التاريخي كحلقة وصل بين الخليج وأفريقيا، فيحول موقعه الجغرافي من عبء إلى ميزة استراتيجية. أو أن يظل ساحة مفتوحة للتنافس، فتضيع عليه وعلى الإقليم فرصة تاريخية لن تتكرر. الحزام الأمني قائم، والأدوات متوفرة، لكن القرار الأول والأخير يبدأ من الخرطوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى