خالد محمد أحمد
في غمرة الابتهاج بالانتصارات التي حقَّقها الجيش في كردفان خلال الأيام الماضية، تعاظم لديَّ قلقٌ ظلَّ يلازمني مع كلِّ تقدُّمٍ يُحرزه الجيش على الأرض.
ليس لديَّ تحفُّظٍ على ردع العدوان عسكريًا، لكنني أخشى أن ينحصر رهان الدولة على الخروج من هذا المأزق في المسار العسكري دون سواه.
لا جدالَ في ضرورة استعادة الأرض؛ فهي تُجسِّد هيبة الدولة، وتُعزِّز موقفها في أيِّ عمليةٍ تفاوضية، لكنها لا تُغني بأيِّ حالٍ من الأحوال عن عملٍ موازٍ لاستعادة ثقة المواطنين في الدولة؛ فالسيطرة على المدن لا تُفضي بالضرورة إلى بناء الثقة مع جماعاتٍ قد تخرج من الحرب وهي تشعر بالهزيمة والانكسار، وتعتبر أنها أُرغِمت على التخلِّي عن “قضيتها” بقوة السلاح، وترى في المنتصر غازيًا لا دولةً استعادت سلطانها.
هذه ليست فرضيَّةً نظريَّة، بل درسٌ دفع السودان ثمنه غاليًا قبل سنواتٍ قليلة؛ فعلى مدى عقودٍ، بسط الجيش السوداني سيطرته على معظم مدن جنوب السودان القديم، وكانت الحكومات المتعاقبة تعلن استعادة هذه المدن وتحقيق ما كانت تعدُّه انتصاراتٍ عسكريةً؛ غير أن تلك المكاسب لم تنجح في تبديد شعورٍ ترسَّخ لدى قطاعٍ واسعٍ من الجنوبيين بأنهم منفصلون نفسيًا وسياسيًا عن الدولة السودانية، وأن ما اعتبرته الخرطوم آنذاك تفوُّقًا عسكريًا لم يكن في نظر كثيرين منهم سوى احتلالٍ لبلادهم.
ولذلك، حين جاء استفتاء تقرير المصير، صوَّت الجنوبيون بأغلبيةٍ كاسحة بلغت 99.57% لصالح الانفصال، ببساطة لأن معركة الانتماء كانت قد حُسِمت قبل ذلك بزمنٍ طويل، ولم ندرك إلا بعد فوات الأوان أن “الوحدة الجاذبة” لا تُولَد عشيةَ الاستفتاءات، ولا تُصنَع في الزمن الضائع بعد أن يُصبح الشرخ أعمق من أن تجبره المناصب أو قسمة السلطة والثروة أو الاتفاقات السياسية، بل تُبنَى عبر سنواتٍ طويلة من العدالة والمساواة والاعتراف المتبادل.
ولهذا، فإن الخطر الحقيقي أن نُكرِّر الخطأ نفسه اليوم، وإنْ اختلفت الظروف وتبدَّلت طبيعة الصراع؛ إذْ قد يأخذنا الاستغراق في الاحتفاء بتقدُّم الجيش على الأرض، على مشروعيته، بعيدًا عن إدراك أن هناك معركةً من نوعٍ آخر لا تقلُّ أهميَّةً ستبدأ بعد أن تسكت أصوات البنادق.
لا أقول إن هناك تطابقًا بين قضية جنوب السودان القديم وقضية غرب السودان؛ فبينهما اختلافاتٌ تاريخية ودينية وديمغرافية واجتماعية وسياسية جوهرية، ولا يصحُّ الخلط بينهما. غير أن هذه الاختلافات لا تُغيِّر حقيقةً أساسية، وهي أن الإخضاع العسكري لا يكفي لحسم القضايا المتجذِّرة في المجتمع.
فهَبْ أن الجيش بسط سيطرته على كلِّ شبرٍ من غرب السودان، فهل يعني ذلك أن القناعات التي دفعت آلاف الشباب إلى حمْل السلاح ستتبخَّر بين عشيةٍ وضحاها؟ وهل تستطيع البندقية مهما بلغت قوتها أن تنتزع من النفوس تصوُّرًا ترسَّخ، أو أن تُسقِط روايةً آمن بها أصحابها على عِلَّاتها؟ فلو كانت السيطرة على الأرض وحدها كفيلةً بإنهاء الصراعات، لما بقيت قضية الحركات المسلحة حيَّةً طوال هذه العقود رغم أنها لم تتمكَّن في معظم مراحلها من السيطرة على مدنٍ كبرى أو إقامة سلطةٍ مستقرَّة على الأرض.
ما أخشاه هو ألّا يُحافَظ على التمييز الواضح بين هزيمة المقاتل عسكريًا من جهةٍ، وإقناع البيئة الاجتماعية التي خرج منها بأن الدولة لا تستهدفها، بل هي راغبةٌ في الاستماع إلى مطالبها وردِّ مظالمها من جهةٍ أخرى؛ فالقضاء على مشروعٍ مسلَّح لا يعني بالضرورة تفكيك القناعات التي غذَّته؛ بل إن فرض السيطرة بالقوة من غير معالجةٍ سياسية ومجتمعية موازية لجذور الأزمة قد يُنظَر إليه لدى بعض المجتمعات المحلية على أنه غلبةٌ جديدة للمركز وتكريسٌ للتهميش. وقد تُعيد هذه النظرة إنتاج مركزيةٍ مرفوضة في الوعي الدارفوري عمومًا، وتُؤدِّي إلى ارتدادٍ سلبي على مشروعية الدولة حتى لدى من لا يتعاطفون مع الدعم السريع في تلك المجتمعات.
ولذلك، فإذا لم تُواكَب الانتصاراتُ العسكرية بالهِمَّة نفسها بجهودٍ سياسيةٍ ومجتمعيةٍ جادَّة، ومصالحةٍ وطنيةٍ، وعدالةٍ تُحاسِب المجرمين من غير أن تُجرِّم المجتمعات بالجملة، وخطابٍ يُفرِّق بين مَنْ حمَل السلاح وبين الانتماء إلى ما يُسمَّى بالحواضن الاجتماعية، فقد نكسب الحرب، لكننا سنخسر السلام، ونترك أسباب الصراع كامنةً حتى تجد فرصةً جديدةً للانفجار. وعندها، لن يكون ما تحقَّق انتصارًا نهائيًا، بل تضميدًا لجرحٍ ما زال غائرًا مُتقيِّحًا.
1 أغسطس 2026