د.إيناس محمد أحمد
اجتهد المجتمع الدولي في وضع قواعد قانونية واضحة تحدد أنواع الجرائم الدولية وكيفية معاقبة مرتكبيها وأمام أي محكمة ووفق إجراءات قانونية محددة.
ونظراً لتطور قواعد القانون الدولي وإيجاد القانون الجنائي الدولي كفرع من فروعه ينظم الجرائم الدولية التي تهدد السلم والأمن الدوليين وتمنع انتهاك حقوق الإنسان أو انتهاك القانون الدولي وتتصدي لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وتضع تدابير قانونية راسخة تمنع إفلات المجرمين من العقاب .
كان مبدأ عدم تقادم جرائم الحرب من أهم الضمانات لعدم إفلات المجرم من العقاب ، لأن هذه الجرائم يصعب مباشرتها قضائياً بعد ارتكابها مباشرة ، وإنما في كثير من الأحوال تمر فترة زمنية مقدرة بين ارتكاب الفعل وملاحقة المجرم مما يجعل الإفلات من العقاب من أهم تحديات مفهوم العدالة.
نأتي لنقطة جوهرية وهي النطاق الزمني لوقوع جرائم الحرب ، متي تعتبر الجريمة جريمة حرب ؟ حسب ما ذهبت إليه اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949م والبرتوكول الأول الملحق بها لعام 1977م فإن النطاق الزمني يكون مع بداية الحرب وطوال فترة النزاع المسلح سواء كان دولياً أو غير دولي بل تسري حتى مرحلة الهدن و وقت السلم .
بعض فقهاء القانون الدولي يفضلون مصطلح (النزاعات المسلحة) على مصطلح (الحرب) بسبب أن مصطلح حرب يشمل عدد من المفاهيم قانونية تشمل العدوان والدفاع المشروع والأمن والاستقرار، وبعض الفقهاء استخدموا مصطلح الحرب ليشيروا إلى الحرب الباردة وحرب النجوم والحرب على الفساد وهكذا ، مما يعد مصطلحاً سياسياً اجتماعياً أكثر من كونه مصطلح قانوني .
في كل الأحوال فالجرائم التي تقع في فترات الحروب والنزاعات المسلحة لا تسقط بالتقادم، وفي سبيل ذلك أنشئت المحكمة الجنائية الدولية كوسيلة لردع الجرائم الدولية وكان لابد من دعمها بمجموعة من المبادئ القانونية التي تكون مرجعيتها وأساسها القانوني، من أهمها مبدأ عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
القانون الدولي جاء مغايرا للقوانين الوطنية من خلال إقرار الأخيرة لمبدأ سقوط العقوبة بعد مرور فترة زمنية محددة على الجريمة ، مما يمحو نتائجها المادية والمعنوية، على عكس القانون الدولي الذي لا تسقط الجرائم فيه بالتقادم .
علي الصعيد القانوني يعرف التقادم الجنائي بأنه إجراء للتخلص من آثار الجريمة أو من الادانة الجنائية بتأثير مرور فترة زمنية محددة بما يمثل وسيلة لانقضاء الحق في تنفيذ الحكم الجنائي الصادر بالادانة، والتقادم هنا يؤدي إلى سقوط حق الدولة في ملاحقة الجاني إما بانقضاء حقها في محاكمته أو سقوط حقها في توقيع العقاب عليه .
الملاحظ هنا أن بعض الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949م واتفاقية منع الابادة الجماعية لعام 1948م ، لم يرد فيها النص على عدم سقوط الجرائم الدولية بالتقادم صراحة ، ولم يرد كذلك في مبادئ نورمبرغ التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1950م ، مما أحدث فراغاً قانونياً مؤثراً وواضحاً ، و أدى هذا الفراغ إلى انتباه الجمعية العامة للأمم المتحدة لأهمية وضرورة معالجة هذا القصور ، لذلك تم إعداد اتفاقية دولية تنظم عدم خضوع جرائم الحرب للتقادم ، وبالفعل وضعت اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية لعام 1968م ودخلت حيز النفاذ في 11 نوفمبر 1970م .
كذلك نص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة 29 على عدم سريان التقادم علي الجرائم التالية :
جرائم الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب ، جريمة العدوان … وجريمة العدوان هذه من أخطر الجرائم لأنها في كثير من الأحوال تكون الباب الذي تدخل منه بقية الجرائم ، لأنه حينما يقع عدوان أو حرب تقع جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية بسبب هذا العدوان .
هناك أيضاً اتفاقية أوروبية تتعلق بعدم تقادم الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتي عقدت في 25 يناير 1974م ، ودخلت حيز التنفيذ في27 يونيو 2003م .
لضمان فعالية هذة الاتفاقيات لابد أن تتعهد الدول الأعضاء فيها بتضمين أحكامها في القوانين الوطنية، وتكييف قوانينها علي عدم سقوط الجرائم الدولية بالتقادم حتى تتوافق مع الاتفاقيات الدولية مع ملاحظة أن القضاء الدولي مكمل للقضاء الوطني لتحقيق العدالة ، ويحقق ذلك مبدأ التعاون القضائي بما يضمن عدم إفلات الجناة من العقاب ، هكذا هي سلسلة من الإجراءات مرتبطة بعضها ببعض ليصبح مبدأ عدم تقادم الجرائم الدولية التزاماً دولياً .
مع ملاحظة أن أحكام التعاون القضائي ليس لها اتفاقيات ملزمة لجميع الدول وإنما تتم عن طريق معاهدات ثنائية أو متعددة الأطراف والتي توفر بحكم وجودها مرجعيات قضائية للدول التي لم تصادق علي تلك الاتفاقيات ، بحيث يكون أغلبها اتفاقيات فنية بين الأجهزة الشرطية الوطنية في الدول وبين الأجهزة القضائية للدول المعنية ، مع الالتزام بتنزيل هذة الأحكام للقوانين الوطنية وإلا سيكون الالتزام الدولي مجرد مبدأ قانوني مكتوب علي ورق .
لذلك أصدرت الأمم المتحدة قراراً حول مبادئ التعاون الدولي في اكتشاف واعتقال وتسليم ومعاقبة الجناة في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وهو القرار رقم (3074/ (28) الصادر في 3 ديسمبر 1973م.
علي الصعيد الوطني رغم أن السودان لم يوقع ولم يصادق علي اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية التي اعتمدتها الأمم المتحدة 1968م ، إلا أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم وفقا للقواعد العرفية الدولية ، وبالتالي يمكن أن يستفيد السودان من هذة القواعد القانونية .
كما أن السودان أكد على التزامه بمبادئ العدالة والمساءلة القانونية تجاه جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في كثير من المنابر الدولية ، كان آخرها بيان السودان الذي قدم أمام مجلس الامن تعقيباً على التقرير نصف السنوي للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية حول دارفور في يوليو 2026م ، وأكدت بعثة السودان في نيويورك على حرص السودان على تحقيق العدالة وعدم إفلات الجناة من العقاب وإنصاف الضحايا وجبر الضرر وترسيخ سيادة القانون لتمثل جميعها ركائز أساسية لتحقيق سلام مستدام وتحقيق العدالة على أرض الواقع .
كما جدد السودان التزامه الكامل بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في إطار القرار 1593 الصادر في 31 مارس 2005م والذي يقضي بإحالة الوضع في دارفور إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية .
بناء على كل ما تقدم كان المتوقع أن تصدر المحكمة الجنائية الدولية أوامر قبض بحق المشتبه بهم من قادة مليشيا الدعم السريع الارهابية الذين وثقوا بأنفسهم لكل ما ارتكبوه من جرائم إبادة جماعية في (مجزرة الجنينة) منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وكان توثيقهم بمثابة اعتراف علني بكل ما ارتكبوه من فظائع ، وكذلك جرائم الحرب التي ارتكبت في الفاشر رغم وجود براهين وتوثيق الأدلة وشهود العيان وتقارير لجنة تقصي الحقائق و تقارير المنظمات الدولية والاقليمية وتقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر وتوثيق صور الأقمار الاصطناعية للانتهاكات والفظائع التي حدثت على أرض الواقع، رغم كل ذلك هناك تراخي و تقصير في تحقيق العدالة ونصرة ضحايا تلك الانتهاكات.
الإنسان هو أهم عنصر يجب أن تهتم به المحافل الدولية وحماية حقوقه في عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ، هي الخطوة الأولى لحفظ حق الضحايا و تحقيق العدل وترسيخ سيادة القانون ، وحفظ السلم والامن الدوليين، وعلى المجتمع الدولي أن يدرك أن للعدالة وجة واحد فقط.