محمد الحاج
يبدو السودان، حين نتأمله بعمق، كبلدٍ تتشابك فيه الجذور وتتداخل فيه الهويات، حتى يصبح من الصعب فصل العروبة عن الأفريقية، أو فصل التاريخ عن الجغرافيا. فهو وطنٌ تشكّل عبر آلاف السنين من تفاعل حضارات قديمة، وممالك محلية، وهجرات بشرية، وصراعات وتوافقات، ليصبح في النهاية كيانًا واحدًا يحمل اسم السودان. هذا الامتزاج بين العروبة والأفريقية ليس مجرد تركيب لغوي، بل هو حقيقة تعيش في ملامح الناس، وفي لغتهم، وفي موسيقاهم، وفي تفاصيل حياتهم اليومية. فالسودان الإفريقي العربي هو هوية كاملة، لا نصفين متجاورين.
لقد عرف السودان حضارات ضاربة في القدم، مثل كوش ومروي ونبتة، وهي حضارات أفريقية أصيلة تركت آثارًا شاهدة على عمق التاريخ السوداني. ومع دخول العرب إلى المنطقة، لم يحدث صدام بين الهويتين، بل حدث تفاعل طويل أنتج ثقافة سودانية خاصة، لا تشبه أي ثقافة أخرى. ومع قيام سلطنة الفونج في سنار، ظهر نموذج مبكر للدولة السودانية الجامعة، دولة جمعت بين الإسلام والموروث المحلي، وبين العربية والأفريقية، لكنها لم تكن دولة مركزية بالمعنى الحديث، بل كانت شبكة من التحالفات الإقليمية والقبلية، وهو ما ترك أثرًا عميقًا في بنية المجتمع السوداني.
ومع دخول الحكم التركي–المصري ثم الحكم الثنائي البريطاني–المصري، بدأت الإشكالات التاريخية تتبلور بشكل أوضح. فقد اعتمد الاستعمار سياسة “المناطق المقفولة”، التي فصلت الجنوب ودارفور وجبال النوبة عن الشمال النيلي، مما خلق فجوة ثقافية وتعليمية وإدارية واسعة. وعندما نال السودان استقلاله عام 1956، ورث دولة واسعة المساحة، متعددة الأعراق، لكنها بلا مشروع وطني جامع، وبلا مؤسسات قادرة على إدارة هذا التنوع. وهكذا بدأت الانقسامات تظهر مبكرًا، واتخذت شكل صراعات سياسية ثم حروب أهلية.
وعند الحديث عن دارفور، فإن تناولها يجب أن يكون بوصفها جزءًا أصيلًا من الجغرافيا السودانية، لا بوصفها إقليمًا طارئًا أو كيانًا اندمج لاحقًا. فدارفور، مثل غيرها من مناطق السودان، كانت موطنًا لحضارات وسلطنات محلية قوية قبل تشكّل الدولة السودانية الحديثة، شأنها شأن ممالك النوبة في الشمال، وسلطنة الفونج في الوسط، وسلطنة تقلي في جبال النوبة، وسلطنة البجا في الشرق. هذه الكيانات التاريخية لم تكن “خارج السودان”، بل كانت اللبنات الأولى التي تكوّن منها الامتداد الحضاري الذي نعرفه اليوم باسم السودان. ومع تطور مفهوم الدولة الحديثة، أصبحت دارفور، بكل ثقلها السكاني والثقافي، جزءًا من القومية السودانية، تمامًا كما أصبحت بقية الأقاليم مكوّنات متساوية في الهوية الوطنية. إن الإشكال لم يكن يومًا في “وجود دارفور داخل السودان”، فهذا وجود طبيعي ومتجذّر، بل في كيفية إدارة الدولة لهذا التنوع، وفي قدرة المركز على استيعاب ثراء الأقاليم المختلفة ضمن مشروع وطني جامع.
ولم تكن دارفور وحدها في هذا المسار. فالجنوب، الذي عاش عقودًا من العزلة بسبب سياسات الاستعمار، وجد نفسه جزءًا من دولة لا تعترف بتنوعه الثقافي والديني، فاندلعت الحرب الأهلية الأولى بعد أشهر من الاستقلال، واستمرت لعقود، قبل أن تنتهي بانفصال الجنوب عام 2011. كما ظهرت حركات احتجاجية في الشرق، وشكاوى من التهميش في الشمال، مما جعل السودان يبدو وكأنه دولة تتوزع فيها الانقسامات على كل الاتجاهات، لا على خط واحد.
ومع ذلك، فإن الأحداث السياسية التي يعيشها السودان اليوم لا ينبغي النظر إليها بوصفها نهاية الطريق أو جوهر الأزمة، بل بوصفها مرحلة ضرورية في مسار إعادة البناء. فكل ما يُختلف عليه الآن، مهما بدا صاخبًا أو مؤلمًا، لا يدخل في صلب عملية تأسيس الدولة، بل يظل جزءًا من صراع اللحظة، من تلك التفاصيل التي ترافق كل انتقال تاريخي. إن ما يجري ليس إعادة تعريف للسودان، ولا إعادة رسم لهويته، بل هو محاولة لإعادة ترتيب البيت الداخلي بعد عقود من التراكمات. فالدولة لا تُبنى من خلال الخلافات السياسية اليومية، ولا من خلال صراع النخب، بل تُبنى حين تتفق الإرادة الوطنية على مشروع جامع، وحين يدرك الجميع أن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم.
ومن هنا، فإن ما يُسمّى بمحاولات “التقسيم الثاني” للسودان لا يجد له أرضًا صلبة في الوعي الشعبي. فالرأي الجماهيري اليوم أكثر نضجًا من أن يُستدرج إلى مشاريع التجزئة، وأكثر إدراكًا بأن الانقسام لا يصنع دولة، ولا يبني مستقبلًا، ولا يحقق عدالة. إن أي حديث عن تقسيم جديد لا يأتي ضمن مسار بناء الدولة، بل ضمن صيغ سياسية ضيقة لا تغني ولا تثمن من جوع، لأنها تتجاهل حقيقة أن السودان، بكل أقاليمه، هو وحدة جغرافية وتاريخية وثقافية لا يمكن تفكيكها دون أن يفقد الجميع. إن رؤية الوطن الواحد أصبحت اليوم شرطًا أساسيًا لأي مشروع سياسي، لأنها وحدها القادرة على تحويل التنوع إلى قوة، وعلى تحويل التاريخ إلى رصيد، وعلى تحويل المستقبل إلى هدف مشترك.
إن السودان الإفريقي العربي، بكل ما يحمله من تاريخ وثقافات وثروات، قادر على أن يتحول إلى دولة مزدهرة، إذا أعاد صياغة علاقته بتنوعه، وإذا بنى دولة تقوم على المواطنة لا على المركزية، وعلى الشراكة لا على الهيمنة. فالمستقبل الذي يستحقه السودان هو مستقبل دولة قوية، موحدة، مستقرة، تستثمر ثرواتها، وتحتضن تنوعها، وتبني مكانتها في محيطها الإقليمي والدولي. إن السودان ليس مجرد بلد، بل هو قصة حضارية طويلة، وهوية متعددة الجذور، وأرض غنية بالفرص، وشعب قادر على البناء مهما كانت التحديات.