القرن الإفريقي… الجغرافيا التي لا تنام – الحلقة الرابعة
عبدالعزيز يعقوب – فلادلفيا
١٥ يونيو -ص 2026
ayagoub@gmail.com
كما ذكرنا في الحلقات الثلاث السابق بان
الجغرافيا ليست مجرد تضاريس صامتة، ولا التاريخ قفصصاً متتابعة من الحروب والمعاهدات، بل هما — في جوهرهما — التعبير العميق عن صراع الإنسان مع المكان والزمن والمعنى. فالأمم لا تتحرك فقط بما تملكه من جيوش واقتصاد، وإنما بما يسكن وعيها من تصورات عن ذاتها، وعن دورها في العالم، وعن الصورة التي تريد أن تتركها فوق خرائط المستقبل.
ولهذا تبدو بعض الأقاليم وكأنها خُلقت لتكون أكثر من مجرد مساحةٍ على الأرض؛ تتحول إلى “فكرة” تتجاوز حدود السياسة اليومية. والقرن الإفريقي واحد من تلك الأقاليم التي يصعب فهمها عبر نشرات الأخبار وحدها، لأنه في حقيقته ساحةٌ تتصارع فيها الفلسفات الجيوسياسية بقدر ما تتصارع الجيوش، وتتزاحم فيها الرؤى الحضارية بقدر ما تتزاحم المصالح.
فهنا، عند التخوم التي يلتقي فيها البحر الأحمر بالهضبة الإثيوبية، لا تدور المعركة فقط حول الموانئ والحدود والموارد، بل حول سؤالٍ أعمق وهو
كيف يمكن لشعوبٍ متجاورة، جمعها التاريخ وفرقتها اطماع السلطة وفي كثير من الأحيان المصالح الدولية، دول تعيش داخل جغرافيا واحدة ومصالح مشتركة دون أن تتحول إلى فرائس متبادلة للخوف والطموح؟
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة أفكار الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد، والدكتور حسن مكي، وتجارب أسياس أفورقي وآبي أحمد؛ فهؤلاء، رغم اختلاف أدواتهم بين الفكر والسياسة والسلطة، يتحركون جميعاً داخل السؤال التاريخي نفسه،
هل يمكن للقرن الإفريقي أن يتحول إلى فضاءٍ للتوازن والتكامل، أم أن الجغرافيا فيه محكومة بإعادة إنتاج الإمبراطوريات والصراعات؟
لقد كان المرحوم محمد أبو القاسم حاج حمد من القلائل الذين حاولوا النظر إلى السودان والقرن الإفريقي باعتبارهما وحدةً حضارية متشابكة، لا مجرد دول متجاورة. فهو لم يرَ الحدود الحديثة حقائق نهائية، بل اعتبرها لحظةً عابرة في تاريخٍ أطول وأكثر تعقيداً. وكان يعتقد أن الدولة الوطنية بصيغتها المركزية الصلبة بلغت في هذه المنطقة حدودها القصوى، لأنها عجزت عن استيعاب التعدد الإثني والثقافي والديني الذي يميز الإقليم.
ومن هنا جاءت فكرته عن “الكونفدرالية الحضارية”، وهي ليست مجرد ترتيب سياسي بين حكومات، بل محاولة لإعادة بناء العلاقة بين الهوية والجغرافيا والسلطة. لقد كان يبحث عن صيغة تجعل التنوع مصدر قوة لا مشروع حرب، وتجعل البحر الأحمر جسراً للتفاعل بدلاً من أن يتحول إلى خط تماس دائم بين القوى المتنافسة.
ولهذا لم يكن دعمه لاستقلال إريتريا دعوةً رومانسية إلى الانفصال، بقدر ما كان تعبيراً عن قناعة فلسفية بأن قمع الهويات لا يصنع وحدة مستقرة، بل يؤجل الانفجار فقط. كان يؤمن أن الاعتراف بالوقائع العميقة للمجتمعات أكثر حكمةً من محاولة صهرها بالقوة داخل مركزٍ واحد.
أما بروفسور حسن مكي، فقد اقترب من القرن الإفريقي من زاوية أكثر التصاقاً بحركة السياسة الواقعية، لكنه التقى مع حاج حمد عند الحقيقة الجوهرية نفسها بأن السودان لا يستطيع فهم نفسه بعيداً عن الإقليم الذي ينتمي إليه.
كان يدرك أن إثيوبيا ليست مجرد دولة مجاورة، بل مركز ثقل حضاري وديموغرافي وجيوسياسي قادر على إعادة تشكيل المنطقة بأكملها، وأن إريتريا — رغم صغر حجمها — تمثل مفتاحاً إستراتيجياً بالغ الحساسية في معادلات البحر الأحمر. ولذلك جاءت قراءاته أقرب إلى إدارة التوازنات لا إلى إعادة تعريف الفضاء نفسه.
إنه الفرق بين عقلٍ يحاول تفسير التاريخ، وعقلٍ يحاول التعايش مع قوانينه القاسية.
ثم ظهر آبي أحمد بوصفه تعبيراً جديداً عن الحلم الإثيوبي القديم؛ حلم المركز الذي يرى في نفسه القلب الطبيعي للقرن الإفريقي. فخطابه المعلن يتحدث عن التكامل الاقتصادي، وربط الإقليم، والسلام، والتنمية، لكن خلف هذه اللغة الحديثة يلوح ظل التاريخ الإثيوبي الطويل، بكل ما يحمله من شعورٍ عميق بالمركزية الحضارية والسياسية.
ولهذا تبدو إثيوبيا اليوم وكأنها تحاول استعادة المجال الذي فقدته بخروج إريتريا إلى البحر، لا عبر الجيوش التقليدية وحدها، بل عبر الاقتصاد، والتحالفات، والموانئ، والبنية التحتية، والضغط الجيوسياسي طويل النفس.
غير أن معضلة القرن الإفريقي الكبرى تكمن في أن الجغرافيا فيه لا تسمح بسهولة بقيام مركزٍ مطلق؛ فكل قوة تحاول الهيمنة تنتج — بالضرورة — خوفاً مضاداً لدى الأطراف المحيطة بها.
ومن هنا يمكن فهم شخصية إسياس أفورقي؛ الرجل الذي تشكل وعيه داخل حرب التحرير الطويلة، حتى أصبح يرى السياسة باعتبارها إدارةً دائمة لاختلالات القوة.
إن أفورقي لا يتحرك بعقلية الوحدة الرومانسية، ولا بعقلية الإمبراطورية الصاعدة، بل بعقلية “حارس التوازن”. فهو يدرك أن إريتريا الصغيرة لا تستطيع منافسة إثيوبيا في الحجم أو السكان، لكنها تستطيع منعها من التحول إلى مركزٍ مهيمن بالكامل على الإقليم.
ولهذا تبدو تحالفاته وتحولاته السياسية أحياناً متناقضة، لكنها في العمق تتحرك وفق منطقٍ واحد الا وهو منع اختلال ميزان القوة في القرن الإفريقي بصورة تهدد بقاء إريتريا ودورها.
إن الصراع الحقيقي في المنطقة ليس صراع حدودٍ فقط، بل صراع بين فلسفتين للتاريخ والجغرافيا
الأولي فلسفة ترى أن الاستقرار يتحقق عبر مركزٍ قوي يقود الإقليم.
والثانية فلسفة ترى أن التوازن وحده هو الذي يمنع المنطقة من الانفجار.
وربما تكمن مأساة القرن الإفريقي في أن الجميع يدرك أهمية التكامل، لكن أحداً لا يثق تماماً في نوايا الآخر. فالذاكرة المثقلة بالحروب تجعل كل مشروع وحدة قابلاً لأن يُقرأ باعتباره مشروع هيمنة مؤجلة.
ومع ذلك، فإن المستقبل لا يزال مفتوحاً على احتمالين كبيرين الأول هو أن تنجح شعوب المنطقة في تحويل الجغرافيا المشتركة إلى قاعدةٍ للتعاون التاريخي، فتولد كتلة إقليمية جديدة تمتلك من الموارد والموقع ما يؤهلها لتكون أحد مراكز العالم الصاعدة.
وإلثاني أن تستمر دوامة الشك والصراع، فيتحول القرن الإفريقي إلى ساحة استنزافٍ دائم، تتغذى عليها القوى الدولية وتُستهلك فيها شعوب المنطقة جيلاً بعد جيل.
فالجغرافيا، مهما بدت قاسية، لا تفرض مصيراً نهائياً على الأمم؛ لكنها تعاقب دائماً من يسيء فهم قوانينها.