رأي

أمل التحول الإفريقي: حين تتقدم إفريقيا من الداخل – تجربة رواندا

بقلم: قريب الله محمد الباز السنهوري

قبل أيام، زرت رواندا، وتحديداً العاصمة كيجالي وما حولها. كانت زيارة قصيرة، لكنها أعادت ترتيب كثير من الأفكار التي نحملها عن إفريقيا؛ تلك الصورة التي تُروى من بعيد، ونادراً ما تُرى من الداخل.

منذ اللحظة الأولى، تفرض كيجالي إحساساً مختلفا ًفهي مدينة هادئة، متماسكة، واضحة الملامح والشوارع نظيفة على نحو لافت، والخضرة تحيط بالمكان كجزء أصيل من هويته. ومع الوقت، يتضح أن هذا الجمال ليس مظهراً عابراً، بل نتيجة وعي عام ترسخ حتى أصبح سلوكاً يومياً.

في كيجالي، النظافة ليست مسؤولية جهة، بل سلوك يبدأ من الفرد ويمتد إلى المجتمع. وتتجسد هذه الروح في تقليد شهري يُعرف بـ Umuganda( العمل الجماعي المجتمعي)، حيث يخرج الناس في آخر سبت من كل شهر للعمل معاً في تنظيف الأحياء وتحسين البيئة. تتوقف الأنشطة حتى منتصف النهار، ويمنح المجتمع هذا اليوم أولوية حقيقية. مشاركة بسيطة، لكنها تعكس وعياً عميقاً

الصورة الأعمق لا تكمن في الطرقات أو الحدائق، بل في الإنسان نفسه ومجتمع رواندا الذي اختار أن يتجاوز ذاكرة الصراع وخصوصاً ما شهدته بلاده في العام 1994 بإعادة توجيه إرادته نحو المستقبل وعمران بلاده، حين سألت أحدهم عن الانتماءات القبلية، جاء الرد ببساطة: نحن روانديون. عبارة تختصر رحلة طويلة في إعادة تعريف الذات، حيث لم يعد الماضي عبئاً، بل دافعاً للبناء.

التحول هنا يبدأ من الإنسان حين يتغير وعيه واحساسه بالمواطنة، حينها تتغير معه طريقة العيش، وتتحول القيم إلى ممارسة يومية، لا إلى شعارات تردد في الملمات والاحتفالات

وهذا موقف بسيط قد يختصر هذا المعنى. في أحد الأيام، كنت ضيفاً لدى صديق، وبعد أن انتهيت من قطعة حلوى، بقيت في يدي لفافة صغيرة. لاحظت شاباً رواندياً ينظر إليّ بهدوء، وكأنه ينتظر قراراً بسيطاً: أين ستضع هذه الورقة؟ لم تكن نظرة اعتراض، بل تذكير صامت بما هو متعارف عليه. وضعتها في جيبي، لكن الفكرة بقيت.

وعلى مستوى أوسع، ينعكس هذا الوعي على بيئة العمل والاستثمار. لم تكتفِ رواندا بتحسين صورتها، بل أعادت تنظيم علاقتها مع المستثمر. الإجراءات مختصرة، والخدمات مجتمعة تحت مظلة واحدة هي Rwanda Development Board، ضمن نموذج “الخدمة الشاملة”. المسار واضح، والخطوات محددة، والزمن مُحترم.

ليست المسألة في السرعة فقط، بل في الوضوح. أن يعرف المستثمر ماذا يفعل، وأين يذهب، وكيف يُنهي إجراءاته دون ارتباك. ومع هذا التنظيم، تتعزز الثقة—وهي أساس أي بيئة استثمارية.

وفي السياحة أيضاً، تقدم رواندا نموذجاً مختلفاً. الجذب لا يعتمد على الأبراج أو المراكز التجارية، بل على الطبيعة: هواء نقي، مساحات خضراء، وهدوء يمنح الزائر تجربة متوازنة، تعيده إلى إيقاع أبسط.

الهوية الإفريقية حاضرة، والتحديات قائمة، لكن طريقة التعامل معها مختلفة. الطبيعة، المجتمع، والبساطة تشكل معاً نموذجاً متوازناً، يقوم على فهم الذات لا تقليد الآخرين.

ما رأيته في رواندا تجربة محلية تحمل في تفاصيلها ملامح أمل لتحول إفريقي أوسع لــ «ماما إفريقيا». خلاصتها أن الإرادة حين تتوفر لا يوقفها مستحيل، وعندما يتحول الوعي إلى ممارسة يومية، يتشكل مسار حقيقي للتغيير.

ومن رأى… ليس كمن سمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى