ثقافة وفنون

حسام علوان.. من السينما المستقلة في مصر إلى استعادة الحلم السوداني

الاحداث:ماجدة حسن
رحل المنتج والكاتب السينمائي المصري حسام علوان عن عمر ناهز 54 عامًا، بعد صراع مع المرض استمر أكثر من عام، تاركًا تجربة سينمائية اتسمت بالانحياز إلى السينما المستقلة، وبالبحث عن حكايات الإنسان المهمش، قبل أن تبلغ واحدة من أهم محطاتها في السودان عبر فيلم «ستموت في العشرين».
لم تكن مسيرة حسام علوان طويلة بالمعنى الزمني، لكنها كانت ثرية ومؤثرة في مسار السينما المستقلة المصرية والعربية. فمنذ بداياته في تسعينيات القرن الماضي، تنقل بين الكتابة والنقد والعمل الأكاديمي والإنتاج، قبل أن يكرس جانبًا مهمًا من تجربته لدعم أفلام خارج منظومة السينما التجارية التقليدية.
درس علوان في المعهد العالي للسينما، وحصل على درجة الماجستير في الدراسات السينمائية من جامعة سان فرانسيسكو، كما عمل أكاديميًا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، واهتم بتاريخ السينما ونظرياتها، قبل أن يتجه بصورة أكبر إلى الإنتاج السينمائي المستقل.
ومن خلال أفلام مثل «حاوي» و**«حار جاف صيفًا»** و**«علي معزة وإبراهيم»** و**«زهرة الصبار»**، ارتبط اسمه بتجارب سينمائية تبحث عن الإنسان خلف الظروف الاجتماعية القاسية، وتمنح مساحة لشخصيات تعيش على هامش المجتمع، لكنها لا تتخلى عن الأمل.
السودان.. المحطة الأهم
إلا أن تجربة علوان لم تتوقف عند السينما المصرية. ففي عام 2019 شارك في إنتاج الفيلم السوداني «ستموت في العشرين» للمخرج أمجد أبو العلا، في تجربة تمثل محطة بارزة في مسيرته، ليس فقط بسبب نجاح الفيلم، وإنما بسبب أهميته بالنسبة إلى السينما السودانية.
الفيلم، المأخوذ عن قصة للكاتب السوداني حمور زيادة، يحكي قصة شاب يُفرض عليه منذ طفولته الاعتقاد بأنه سيموت عند بلوغه العشرين، لتتحول النبوءة إلى سجن نفسي واجتماعي يلاحقه طوال حياته.
ومن خلال قصة تبدو شديدة الخصوصية، استطاع الفيلم أن يطرح أسئلة إنسانية واسعة حول الخوف والمصير والاختيار والحرية، وأن يقدم صورة مختلفة عن السودان، بعيدًا عن الصور النمطية التي كثيرًا ما ارتبط بها البلد في الإعلام والسينما.
وكانت خصوصية التجربة أن الفيلم جاء في سياق محاولة لاستعادة الإنتاج السينمائي السوداني بعد سنوات طويلة من التراجع، وشارك في إنتاجه عدد من المؤسسات والشركات العربية والأوروبية، فيما استغرقت صناعته أكثر من ثلاث سنوات.
وحقق «ستموت في العشرين» نجاحًا لافتًا على المستوى الدولي، وتوج بجائزة أسد المستقبل في مهرجان فينيسيا السينمائي، كما حصد نجمة الجونة الذهبية والتانيت الذهبي في أيام قرطاج السينمائية، ليصبح أحد أبرز الأفلام السودانية التي وصلت إلى المهرجانات العالمية في السنوات الأخيرة.
سينما تتجاوز الحدود
تكمن أهمية تجربة حسام علوان في السودان في أنها لم تكن مجرد إضافة إلى قائمة أفلام أنتجها، وإنما كانت امتدادًا لفلسفته في التعامل مع السينما باعتبارها مساحة للإنسان والحكاية، لا مجرد منتج تجاري.
فالشخصيات التي تبحث عن فرصة للحياة في «علي معزة وإبراهيم»، والنساء اللاتي يحاولن مواجهة قسوة الواقع في «زهرة الصبار»، والشخصيات التي تواجه المرض والوحدة في «حار جاف صيفًا»، تجد صدى لها في بطل «ستموت في العشرين»، الذي يخوض معركته الخاصة ضد مصير كُتب له قبل أن يمتلك القدرة على اختياره.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى التجربة السودانية باعتبارها ذروة لمسار فني وإنتاجي آمن بأن السينما المستقلة تستطيع أن تتجاوز الحدود الجغرافية، وأن تصل بحكاية محلية إلى جمهور عربي ودولي واسع.
كما كان علوان من المنتجين الذين منحوا أجيالًا جديدة من الممثلين والمبدعين فرصة الظهور، وأسهم في تقديم أسماء أصبحت لاحقًا جزءًا من المشهد السينمائي المصري.
برحيله، تفقد السينما المصرية والعربية منتجًا آمن بأن الأفلام الصغيرة في ميزانياتها يمكن أن تكون كبيرة في أثرها، وأن التعاون العربي في مجال السينما يمكن أن يفتح أبوابًا أمام تجارب ظلت لسنوات بعيدة عن دائرة الضوء.
ومن القاهرة إلى الإسكندرية ثم الخرطوم، ترك حسام علوان أثرًا يتجاوز الأفلام التي شارك في صناعتها. وفي مقدمة هذا الأثر يقف «ستموت في العشرين» بوصفه تجربة سينمائية سودانية استطاعت أن تعبر من المحلية إلى العالمية، وأن تمنح السينما السودانية فرصة جديدة لاستعادة حضورها على الخريطة الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى