بقلم: د. هيثم ميرغني إبراهيم علي
لم يعد الحصول على شهادة جامعية في مجال الإعلام كافيًا لضمان النجاح المهني في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العمل الإعلامي، والتطور المتلاحق في تقنيات الاتصال والإعلام الرقمي. فقد أصبحت المؤسسات الإعلامية تبحث عن خريجين يمتلكون إلى جانب المعرفة النظرية مهارات عملية تمكّنهم من ممارسة العمل الصحفي والإذاعي والتلفزيوني والإلكتروني بكفاءة واقتدار. غير أن واقع بعض كليات الإعلام في السودان يثير تساؤلات مهمة حول مدى الاهتمام بالتدريب العملي، ومدى قدرة البرامج الأكاديمية على إعداد خريجين يستجيبون لاحتياجات سوق العمل.
من قاعات الدراسة إلى واقع الممارسة
تُعد كليات الإعلام من المؤسسات الأكاديمية التي يرتبط نجاحها بمدى قدرتها على الجمع بين التأصيل العلمي والتطبيق المهني. فالإعلام ليس مجرد مقررات تُدرَّس وامتحانات تُجرى وشهادات تُمنح، بل هو ممارسة تتطلب مهارات في التحرير الصحفي، وإعداد التقارير والتحقيقات، وإجراء المقابلات، والتصوير، والمونتاج، والإخراج، والتقديم الإذاعي والتلفزيوني، وإدارة المنصات الرقمية.
ومن هنا، فإن غياب التدريب العملي الكافي أو ضعفه داخل بعض المؤسسات الأكاديمية يمثل تحديًا حقيقيًا أمام إعداد الكوادر الإعلامية المؤهلة. فالطالب الذي يدرس فنون التحرير الصحفي دون أن يتدرب على كتابة الأخبار والتقارير بصورة منتظمة، أو يدرس الإذاعة والتلفزيون دون ممارسة التسجيل والتقديم والإنتاج، قد يجد نفسه أمام واقع مهني مختلف تمامًا عما تلقاه داخل قاعة المحاضرات.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الجانب النظري؛ فالمعرفة العلمية هي الأساس الذي تستند إليه الممارسة المهنية السليمة، لكن المشكلة تظهر عندما ينفصل الجانب النظري عن التطبيق، وتتحول الدراسة الجامعية إلى عملية تلقين للمعلومات بدلًا من أن تكون بيئة متكاملة لبناء المهارات وتنمية القدرات.
خريجون يحملون الشهادات ويبحثون عن الخبرة
من أبرز الآثار التي قد تترتب على ضعف التدريب العملي اتساع الفجوة بين المؤهل الأكاديمي والكفاءة المهنية. فقد يتخرج الطالب وهو يمتلك معرفة جيدة بمفاهيم الإعلام ونظرياته، لكنه يفتقر إلى الخبرة اللازمة للتعامل مع متطلبات العمل اليومي داخل المؤسسات الصحفية والإذاعية والتلفزيونية.
وتظهر هذه الفجوة عند الالتحاق بسوق العمل، حيث يُطلب من الخريج أحيانًا إعداد خبر صحفي متكامل، أو صياغة عنوان مهني، أو إجراء مقابلة، أو إعداد مادة إعلامية للنشر الرقمي، أو التعامل مع معدات التصوير والتسجيل. وفي مثل هذه المواقف، قد يواجه الخريج صعوبات لا تعود بالضرورة إلى ضعف قدراته أو استعداده، وإنما إلى محدودية الفرص التي أتيحت له لاكتساب الخبرة أثناء الدراسة.
كما أن بعض المؤسسات الإعلامية قد تضطر إلى تخصيص وقت وجهد إضافيين لتدريب الخريجين الجدد وتأهيلهم قبل إسناد المهام المهنية إليهم. ويؤدي ذلك إلى إطالة فترة الانتقال من التعليم الجامعي إلى الممارسة الفعلية، وقد يقلل من فرص بعض الخريجين في الحصول على وظائف تتطلب مهارات جاهزة منذ اليوم الأول.
التدريب العملي وصناعة الثقة المهنية
لا تقتصر أهمية التدريب على اكتساب المهارات الفنية، بل تمتد إلى بناء شخصية الإعلامي وتنمية ثقته بنفسه وقدرته على اتخاذ القرارات المهنية. فالتعامل مع المصادر، والتحقق من المعلومات، والالتزام بأخلاقيات المهنة، واحترام الخصوصية، والعمل تحت ضغط الوقت، كلها جوانب لا يمكن ترسيخها من خلال المحاضرات وحدها.
إن التدريب الميداني يمنح الطالب فرصة الاحتكاك بالواقع، والتعرف على طبيعة المؤسسات الإعلامية، وفهم الأدوار المهنية المختلفة، واكتشاف نقاط القوة والضعف في أدائه. كما يساعده على تقبل النقد، وتصحيح الأخطاء، وتطوير أسلوبه في الكتابة والتقديم والإنتاج.
وعندما يغيب هذا النوع من التدريب، قد يدخل الخريج إلى المؤسسة الإعلامية وهو يفتقر إلى الثقة والخبرة الضروريتين، الأمر الذي يؤثر في أدائه وقدرته على المنافسة، خصوصًا في بيئة إعلامية تتطلب السرعة والدقة والابتكار في آن واحد.
الإعلام الرقمي يضاعف مسؤولية كليات الإعلام
لقد تجاوز العمل الإعلامي اليوم الأطر التقليدية للصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون، وأصبحت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من منظومة الإنتاج الإعلامي. ولم يعد كافيًا أن يمتلك الخريج مهارات الكتابة التقليدية وحدها، بل أصبح مطالبًا بفهم صناعة المحتوى الرقمي، والتحرير متعدد الوسائط، والتصوير بالهواتف الذكية، وإنتاج الفيديو، وإدارة الحسابات الإعلامية، وتحليل تفاعل الجمهور، والتحقق من الأخبار والصور والمقاطع المتداولة.
وفي ظل هذه المتغيرات، تصبح مسؤولية كليات الإعلام أكبر من مجرد تقديم مقررات دراسية تقليدية؛ إذ ينبغي عليها تحديث مناهجها، وتوفير بيئات تدريب مناسبة، وربط الطلاب بالمؤسسات الإعلامية، حتى لا يجد الخريج نفسه أمام تقنيات وأساليب عمل لم تتح له فرصة التعامل معها خلال سنوات دراسته.
كما أن التدريب على الإعلام الرقمي لا ينبغي أن يكون مقررًا هامشيًا أو نشاطًا اختياريًا محدودًا، بل جزءًا متكاملًا من عملية التأهيل الأكاديمي والمهني، مع مراعاة أخلاقيات النشر الإلكتروني ومخاطر التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة
وأيضا هنالك عدد من الجامعات مهتمة بمجال التدريب والتأهيل الإعلامي ولكن الحديث عن ان اغلب الجامعات في السودان مهملة هذا الجانب