المعز مجذوب خليفه
حين يعجز المواطن عن الحصول على الوقود بماله، ويقف في طوابير الخبز لتأمين قوت أسرته، بينما تواصل المسيّرات تهديد المدن والمرافق المدنية، فإن القضية لم تعد مجرد أزمة معيشية أو تحدٍّ عسكري منفصل؛ بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على حماية الإنسان، وإدارة الحرب، وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة.
هذه هي المعادلة القاسية التي يعيشها السوداني اليوم: مواطن يواجه الغلاء وشح الوقود والخبز من جهة، وقلقًا أمنيًا متصاعدًا جراء هجمات المسيّرات من جهة أخرى. وفي قلب هذه المعادلة، تقف الدولة أمام مسؤولية لا تحتمل التأجيل: كيف تحمي الجبهة الداخلية من الانهيار، بالتزامن مع حماية البلاد من التهديدات العسكرية؟
إن ما يجري لا يجوز التعامل معه باعتباره أزمات متفرقة لا رابط بينها. فالوقود يرتبط بالنقل والإنتاج والزراعة، والخبز يرتبط بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، والمسيّرات تهدد الأرواح والمنشآت وشبكات الخدمات. وعندما تتزامن هذه الملفات، فإن آثارها تتضاعف، ويصبح المواطن الحلقة الأكثر تعرضًا للخسارة.
أولًا: أزمة الوقود.. عندما يصبح المال عاجزًا عن شراء الحاجة
ما قيمة أن يحمل المواطن ثمن الوقود ولا يجده؟ وما جدوى إعلان توافر الإمدادات إذا ظلت محطات الخدمة تعاني الشح، واضطر أصحاب المركبات إلى الانتظار طويلًا، أو البحث عن الوقود في الأسواق الموازية بأسعار تثقل كواهلهم؟
إن أزمة الوقود ليست أزمة أصحاب المركبات وحدهم؛ إنها أزمة مواصلات وأسواق ومستشفيات ومزارعين وأصحاب أعمال، وتمتد آثارها إلى كل سلعة تنتقل من موقع الإنتاج إلى المستهلك.
ارتفاع تكلفة النقل يرفع أسعار الغذاء، وتعطل الآليات يهدد الإنتاج الزراعي، وشح الجازولين يضغط على حركة البضائع والخدمات. وهكذا يتحول نقص الوقود إلى سلسلة من الأعباء التي يدفع ثمنها المواطن في نهاية المطاف.
وقد تناولت تقارير صحفية نُشرت في أكتوبر 2026 ضغوط إمدادات الوقود في السودان، مشيرة إلى عوامل تشمل اضطراب الإمدادات العالمية، والقيود المفروضة على الاستيراد، ونقص النقد الأجنبي، واستمرار تعطل مصفاة الجيلي. وهذا يعني أن معالجة الأزمة تتطلب تشخيصًا اقتصاديًا وإداريًا دقيقًا، لا الاكتفاء بتصريحات عامة عن توافر الإمدادات.
السؤال الاستراتيجي هنا: أين تنتهي مسؤولية السوق، وأين تبدأ مسؤولية الحكومة؟
ليس المطلوب أن تتجاهل الدولة تعقيدات الاستيراد والحرب والتمويل، بل المطلوب أن تشرح للمواطن أسباب الأزمة، وأن تحدد المسؤوليات، وأن تقدم جدولًا واضحًا لمعالجة الاختناقات، بدلًا من ترك الناس أسرى الانتظار والتخمين.
ثانيًا: أزمة الخبز.. الأمن الغذائي يبدأ من رغيف المواطن
إذا كان الوقود محرك الاقتصاد، فإن الخبز عنوان مباشر للأمن الغذائي والاجتماعي.
حين ترتفع تكلفة إنتاج الخبز ونقله، أو تتعثر إمدادات الدقيق والقمح، تتجه الضغوط سريعًا إلى المواطن الذي لم تعد دخول كثير من الأسر قادرة على مجاراة ارتفاع الأسعار.
ولا يمكن فصل أزمة الخبز عن أزمة الوقود؛ فالمخابز تحتاج إلى الطاقة، والدقيق يحتاج إلى النقل، وسلاسل الإمداد تحتاج إلى طرق آمنة وتكاليف يمكن تحملها. وأي خلل في حلقة من هذه الحلقات ينعكس على السعر والتوافر.
والأخطر أن الأزمة لا تتوقف عند قدرة الأسرة على شراء الرغيف؛ بل تمتد إلى تقليص الوجبات، والتأثير في تغذية الأطفال، وزيادة هشاشة الأسر محدودة الدخل والنازحين.
وفي 12 أكتوبر 2026، حذّر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، بمشاركة منظمة الصحة العالمية، من تفاقم مخاطر المجاعة في أجزاء من دارفور وكردفان، نتيجة تداخل النزاع والنزوح والجفاف ونقص التمويل الإنساني.
هذه المؤشرات تضع الحكومة أمام مسؤولية تتجاوز معالجة النقص اليومي في الأسواق، لتشمل حماية الإنتاج المحلي، وتأمين انسياب الدقيق والقمح، ومراقبة الأسواق، ومنع الاحتكار والتلاعب، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.
فليس من المقبول أن يصبح تأمين رغيف الخبز معركة يومية تستنزف المواطن، بينما تغيب عنه المعلومات الدقيقة بشأن أسباب النقص وخطط المعالجة.
ثالثًا: المسيّرات.. حرب تتجاوز خطوط المواجهة إلى حياة المدنيين
في الوقت الذي ينشغل فيه المواطن بتأمين الوقود والخبز، تتواصل هجمات المسيّرات في مناطق متفرقة من السودان، لتضيف إلى المعاناة الاقتصادية خطرًا أمنيًا مباشرًا.
وفي 19 أكتوبر 2026، أفادت تقارير إخبارية بسقوط ضحايا في موجة هجمات بالمسيّرات في مناطق مختلفة من البلاد، مع ورود تقارير عن هجمات نُسبت إلى أطراف متحاربة. ويؤكد ذلك اتساع أثر هذا النوع من الهجمات على المدنيين، حتى في المناطق البعيدة عن خطوط الاشتباك التقليدية.
إن خطورة المسيّرات لا تكمن في قدرتها على إصابة أهداف بعيدة فحسب، بل في قدرتها على نقل الخطر إلى عمق المدن والمناطق المأهولة، وتهديد المرافق الحيوية، وإرباك الخدمات، وخلق حالة مستمرة من الخوف وعدم اليقين.
وعندما تتعرض منشآت الكهرباء أو الوقود أو النقل أو المرافق الصحية للخطر، فإن آثار الهجمات لا تنحصر في الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى حياة آلاف المواطنين الذين يعتمدون على تلك الخدمات.
ومن هنا، فإن التعامل مع هذا التحدي يحتاج إلى استراتيجية وطنية متكاملة لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، وتعزيز الإنذار المبكر، وتحسين التنسيق بين الأجهزة المختصة، وتطوير الاستجابة للطوارئ، مع الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وحماية السكان والأعيان المدنية.
فأمن المواطن ليس مجرد نتيجة لانتصار عسكري؛ بل مسؤولية يومية تشمل حماية حياته ومصادر رزقه وخدماته الأساسية.
رابعًا: هل نحن أمام أزمات منفصلة أم معادلة ضغط واحدة؟
هنا تكمن القراءة الاستراتيجية الأعمق.
قد تنشأ أزمة الوقود من اختناقات الاستيراد والتمويل والتوزيع، وقد تتفاقم أزمة الخبز بفعل ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف القدرة الشرائية، بينما ترتبط هجمات المسيّرات بمسار الحرب والتطورات العسكرية. ولا يصح الجزم بأن هذه الأزمات جميعها تُدار ضمن خطة واحدة من دون أدلة تثبت ذلك.
لكن المؤكد أن تزامنها ينتج أثرًا تراكميًا بالغ الخطورة على الدولة والمجتمع.
فعندما ترتفع تكلفة النقل، تتراجع القدرة على تحريك السلع. وعندما تتعطل الخدمات أو تتعرض المنشآت للخطر، ترتفع كلفة النشاط الاقتصادي. وعندما تتآكل دخول الأسر، تتراجع قدرتها على الصمود أمام الأزمات الأمنية والمعيشية.
وهكذا تتشكل دائرة ضغط متبادل: الحرب تضعف الاقتصاد، والاقتصاد المنهك يضعف قدرة المجتمع على الاحتمال، وتراجع الخدمات يضاعف آثار الحرب على المواطنين.
ومن الخطأ الاستراتيجي أن تنشغل مؤسسات الدولة بكل أزمة على حدة، من دون غرفة تنسيق وطنية تربط بين أمن الطاقة والأمن الغذائي والنقل وحماية المنشآت والاستجابة الإنسانية.
إن المطلوب هو الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى استباقها، ومن البيانات العامة إلى المعلومات القابلة للقياس، ومن الحلول المؤقتة إلى خطط تنفيذية ذات مسؤوليات ومواعيد محددة.
خامسًا: الحكومة مطالبة بخطة طوارئ.. لا بمزيد من الوعود
إن المرحلة الراهنة تتطلب إجراءات عملية واضحة، ويمكن تلخيص أهمها في خمسة مسارات:
1. مسار الوقود والإمدادات
إعلان موقف يومي أو دوري واضح بشأن الإمدادات المتاحة، والكميات الواردة، وحجم التوزيع على الولايات، وأسباب الاختناقات. مع مراجعة إجراءات الاستيراد والتمويل والتوزيع، وتشديد الرقابة على التهريب والاحتكار والتلاعب بالأسعار.
2. مسار الخبز والأمن الغذائي
تأمين احتياجات المطاحن والمخابز من الدقيق والطاقة، ومراقبة الأسعار وتوافر السلع الأساسية، ودعم الإنتاج الزراعي والنقل، مع توجيه المساندة إلى الأسر الأشد تضررًا وفق معايير معلنة.
3. مسار حماية المدنيين والمنشآت الحيوية
إعطاء الأولوية لحماية المرافق الصحية ومحطات الكهرباء ومستودعات الوقود وشبكات المياه ومراكز الخدمات، وتعزيز الإنذار المبكر وخطط الإخلاء والإسعاف والاستجابة للهجمات، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون.
4. مسار الشفافية والمساءلة
تقديم إحاطة حكومية منتظمة تشرح حقيقة الأوضاع، وتفصل بين ما هو نقص في الإمدادات، وما هو خلل في التوزيع، وما هو أثر مباشر للعمليات العسكرية. فالمواطن لا يحتاج إلى تطمينات مجردة؛ بل إلى معلومات موثوقة يستطيع على أساسها فهم ما يجري.
5. مسار التنسيق الوطني
إنشاء آلية تنسيق فعالة بين الجهات المعنية بالطاقة والتجارة والصناعة والزراعة والنقل والمالية والأجهزة المختصة بحماية المنشآت، بحيث تُدار الأزمات ضمن رؤية واحدة، وتُحدد لكل جهة مسؤوليات واضحة ومؤشرات أداء قابلة للمتابعة.
ويجب أن تُعلن هذه الخطة في إطار زمني محدد، مع مراجعة أسبوعية للنتائج، حتى لا تتحول التدابير الطارئة إلى قرارات مؤقتة لا تغيّر واقع المواطن.
سادسًا: الجبهة الداخلية ليست تفصيلًا ثانويًا في معركة الدولة
من الأخطاء التي تقع فيها بعض الحكومات خلال الحروب أن تنظر إلى الشأن المعيشي بوصفه ملفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء العمليات العسكرية.
لكن التجارب تثبت أن قدرة المجتمع على الصمود ترتبط بقدرته على الحصول على الغذاء والطاقة والعلاج والمياه ووسائل النقل.
والمواطن الذي يواجه ضغوطًا اقتصادية متواصلة يحتاج إلى أن يرى أثر الدولة في حياته اليومية، لا أن يسمع عنها في البيانات فقط.
إن الحفاظ على الجبهة الداخلية لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بتخفيف الأعباء المعيشية، وضمان الحد الأدنى من الخدمات، وإظهار العدالة في توزيع الموارد، ومكافحة الفساد والاحتكار، وإشراك المواطنين في فهم التحديات والحلول.
كما أن المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها؛ فالتجار والموردون وأصحاب المخابز والجهات المحلية والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني جميعهم معنيون بالمساهمة في تخفيف الأزمة، كلٌّ في حدود دوره، مع ضرورة عدم تحميل المواطن أعباءً إضافية لا يستطيع احتمالها.
الخلاصة: احموا الإنسان كما تحمون الأرض
إن السودان لا يواجه اليوم تحديًا عسكريًا فحسب، بل يواجه معركة متشابكة على الأمن والاستقرار والاقتصاد والقدرة على البقاء.
طوابير الوقود ليست مجرد مشهد عابر، وأزمة الخبز ليست مجرد مشكلة في الأسواق، وهجمات المسيّرات ليست مجرد أخبار عسكرية؛ فهذه الملفات مجتمعة تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن، وتختبر قدرة المؤسسات على حماية المجتمع في أحلك الظروف.
ومن هنا، فإن واجب الحكومة أن تصارح الناس بحقيقة الأوضاع، وأن تقدم حلولًا عملية، وأن تحمي الإمدادات والمنشآت الحيوية، وأن تجعل تخفيف المعاناة المعيشية جزءًا أصيلًا من خطتها لإدارة الحرب.
فلا معنى لأمن لا يشعر به المواطن في حياته اليومية، ولا قيمة لخطط اقتصادية لا تصل آثارها إلى مائدة الأسرة، ولا تكتمل مسؤولية الدولة ما لم تجمع بين حماية الوطن وحماية الإنسان.
إن المواطن السوداني لا يطلب المستحيل؛ إنه يريد وقودًا يستطيع شراءه، وخبزًا يستطيع تأمينه، وخدمات لا تنقطع، ومدنًا لا تظل مهددة، ودولة تخبره بالحقيقة وتعمل على تغيير واقعه.
تلك هي معركة الصمود الحقيقية: أن نحمي السودان من التهديدات، ونحمي السودانيين من أن تتحول أعباء الحرب إلى معركة يومية من أجل البقاء.