الأحداث – تقرير
لم يكن فتح الرحمن خميس، المعلم بالمرحلة الثانوية، يتخيل أن رحلة البحث عن سقف يأوي أسرته ستتحول إلى كابوس يومي. فبعد أكثر من عامين من الحرب التي شردت الملايين، وجد نفسه، ومعه مئات الآلاف من العائدين والنازحين، أمام واقع جديد في أم درمان، المدينة التي استعادت خدماتها وأمانها النسبي، لكنها أصبحت عصية على السكن، بأسعار إيجارات فاقت الخيال وتجاوزت المنطق.
وفي أحياء مدينة النيل وحي الروضة، أصبحت الشقق المخصصة للإيجار نادرة، وإن وجدت، فإن أرقامها صادمة. فإيجار شقة من غرفتين يتراوح بين 3 إلى 5 ملايين جنيه سوداني شهريًا، ومنزل صغير متواضع بمليوني جنيه، وهي أرقام لا تتناسب إطلاقًا مع متوسط دخل الموظف الذي لا يتجاوز 500 ألف جنيه في أفضل الأحوال.
مدينة أم درمان
تحولت بعض أحياء محلية كرري التي لم تستطع قوات الدعم السريع السيطرة عليها منذ اندلاع الحرب وحتى إعلان تحرير الخرطوم من تلك القوات في 2025، إلى المركز المدني الأهم في الولاية. فبينما لا تزال بحري تعمل بنسبة 54% من خدماتها، والخرطوم بنسبة أقل، تعمل أم درمان بنسبة 100%، وفق تقديرات عقارية.
ويفاقم معاناة المواطنين مع الإيجارات عاملان اقتصاديان قاتلان: انهيار الجنيه السوداني الذي تجاوز سعر صرفه في السوق الموازية 10000 جنيه مقابل الدولار، وارتفاع التضخم وتكلفة مواد البناء والصيانة بأكثر من 600% خلال عام واحد.
سوق بلا ضابط
في استطلاع لـ”الترا سودان” وسط سوق العقارات الفوضوي في أم درمان، تتعدد الروايات حول من يتحمل مسؤولية هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار.
ويقول المعلم بالمرحلة الثانوية فتح الرحمن خميس عبد الله لـ”الترا سودان” إن السماسرة هم السبب الرئيسي في الارتفاع الجنوني للإيجارات، وليس ملاك العقارات وحدهم.
وأضاف: “قد تكون مستقرًا في مسكنك آمنًا، فيأتي سمسار إلى مالك العقار ويقنعه بأن شقته يمكن أن تدر مبلغًا أكبر، فيقوم المالك بإخراجك ليأتي بمستأجر جديد جلبه السمسار طمعًا في العمولة”.
وناشد حكومة رئيس الوزراء كامل إدريس التدخل العاجل، قائلًا: “نناشد حكومة الأمل أن تضع سقفًا ملزمًا للإيجارات في كل منطقة، كما هو معمول به في الدول المحترمة، لا يتم تجاوزه صعودًا أو هبوطًا. نرجو من الحكومة أن تولي المواطن بعض الاهتمام وتسهل له سكنًا كريمًا لأسرته، فمن غير المنطقي أن يطلب مالك منزل صغير مليوني جنيه، أو شقة صغيرة خمسة ملايين. الناس تعبت حقًا من الغلاء”، يضيف خميس.
التأثر بالوضع الاقتصادي
من جانبه، أرجع وكيل العقارات عبد العظيم إبراهيم ارتفاع الإيجارات إلى تأثر ملاك العقارات أنفسهم بالوضع الاقتصادي العام.
وقال لـ”الترا سودان”: “المالك ينظر إلى ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية ومواد البناء، فعندما يحتاج عقاره إلى ترميم أو صيانة، يجد أن أسعار الأسمنت وغيره قد تضاعفت ثلاث أو أربع مرات، كما أن أغلب الملاك يجدون أضرارًا كبيرة في العقار بعد خروج المستأجر، سواء في الجدران أو السباكة أو الكهرباء، مما يتطلب إعادة تأهيل مكلفة”.
وأضاف أن حل الأزمة يبدأ من معالجة الاقتصاد الكلي، وعلى رأس ذلك مراجعة الدولار الجمركي، وتابع: “لا يمكن أن يكون الهدف هو زيادة الإيرادات فقط، لأن ذلك يؤدي إلى ركود في السوق، والتاجر لا يستطيع البيع، والمشتري لا يستطيع الشراء، وصاحب العقار لا يستطيع التأجير. وعندما يضطرب الوضع الاقتصادي، يتأثر الجميع”.
وجود المنظمات
وبدورها، قالت المستأجرة مي عبد الله الشفيع لـ”الترا سودان” إن ارتفاع أسعار العقارات في أم درمان يعود بشكل أساسي إلى وجود المنظمات الدولية.
وأوضحت: “المنظمات تدفع إيجارات مرتفعة ومقدمة لستة أو سبعة أشهر، وأحيانًا لسنة كاملة مقدمًا، مما أدى إلى رفع سقف الأسعار بشكل كبير، بالإضافة إلى انخفاض قيمة الجنيه السوداني وارتفاع الدولار، وكل ذلك ناتج عن الحرب ونزوح المواطنين إلى أم درمان”.
ارتفاع الأسعار
وبدوره، قال المواطن كباشي الأمين لـ”الترا سودان” إنه فوجئ بالأسعار عند بحثه عن شقة كبيرة لأسرته بالقرب من المدارس.
وأضاف: “لم أتوقع أن تكون الأسعار بهذا المستوى، وليس لدي خيار سوى السكن بالقرب من المدارس، لأن تكلفة الترحيل مع ارتفاع أسعار الوقود أصبحت باهظة جدًا ومكلفة”.
وتابع: “أحاول أن أجد سعرًا معقولًا، وإلا سألغي فكرة الانتقال نهائيًا”. وناشد الدولة بضرورة التدخل في هذا الملف، لأن التعليم والصحة والسكن هي أساسيات الحياة.
عدم استقرار العملة
وفي المقابل، أرجع صاحب مكتب عقارات دار مالي، طارق أبشر، ارتفاع الأسعار إلى عدة عوامل، أبرزها عدم استقرار العملة.
وقال لـ”الترا سودان”: “مالك العقار عندما يؤجر بسعر معين ويرتب التزاماته عليه، يتفاجأ بعد شهر بأن المبلغ فقد قيمته، فلا يكون أمامه حل سوى تحويله إلى عملة صعبة كالدولار حتى يتمكن من تلبية احتياجاته. فالمبلغ الذي يتقاضاه لستة أشهر، إذا أراد به صيانة الشقة بعد خروج المستأجر، لن يكفيه بسبب التضخم”.
وأضاف أن العامل الثاني هو توفر الخدمات والأمان في أم درمان، موضحًا: “كل الشركات والمؤسسات الحكومية والمنظمات تتمركز هنا، والأسر تشتري الأمان. أم درمان تتمتع بتوفر الخدمات بنسبة 100%، بما في ذلك المدارس والجامعات، على عكس بحري والخرطوم. لذا فإن الضغط السكاني كله يتركز على أم درمان”.
ويحذر خبراء اقتصاد من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى موجة نزوح عكسي جديدة، حيث ستضطر الأسر الفقيرة والعائدة لمغادرة أم درمان مرة أخرى إلى الولايات الطرفية، مما يهدد خطة الحكومة لإعادة الإعمار وعودة الحياة إلى العاصمة.
وفي أم درمان اليوم، لا يبحث الناس عن رفاهية السكن، بل عن حق البقاء. المعلم الذي يربي الأجيال، والموظف الذي يسير دولاب الدولة.
نقلا عن “الترا سودان”