تقارير

اتفاق جوبا بعد 6 سنوات.. هل بات مصيره رهنا بحرب السودان؟

الأحداث – تقرير
بعد مرور 6 سنوات على توقيعه، أقرّت أطراف في اتفاق جوبا للسلام في السودان أن ما نُفّذ منه محدود، وحمّلت تحالف المكون العسكري مع قوى مدنية في الحكم الانتقالي مسؤولية تعثره قبل أن تنفض شراكتهما في أكتوبر 2021.

وبينما تطالب قوى سياسية بمراجعة الاتفاق حتى لا تتحول مكاسبه السياسية المؤقتة في السلطة إلى حقوق ومحاصصات جهوية مستديمة، يرى مراقبون أن مصير الاتفاق بات مرتبطا بالحرب ويمكن الاستفادة من بعض بنوده الموضوعية لتشكل جزءا من أي تسوية مستقبليّة بعد نهايتها.

وكان اتفاق جوبا قد وُقع بين الحكومة السودانية وعدد من الحركات المسلحة والفصائل السياسية في الثالث من أكتوبر 2020.

وحسب مراقبين ومحللين، فإن الاتفاق يواجه تحديات وتعقيدات عدة، إذ أدت الحرب والتغيرات السياسية والعسكرية في البلاد إلى انقسام بين بعض الحركات الموقعة عليه حول جدواه ومستقبله.

تغييرات الحرب
ويهدف الاتفاق إلى تحقيق سلام شامل، وتوزيع السلطة والثروة بشكل عادل في إقليم دارفور ومنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وحماية الموارد المحلية في الولايات الشمالية والوسطى.

ومن أبرز الحركات المسلحة الموقعة على الاتفاق “العدل والمساواة” بقيادة جبريل إبراهيم، و”تحرير السودان” بزعامة مني أركو مناوي، و”الحركة الشعبية- شمال” برئاسة مالك عقار، بجانب فصائل أخرى في تحالف “الجبهة الثورية”.

وغيرت الحرب التي اندلعت قبل أكثر من 3 سنوات في تركيبة بعض الحركات الموقعة على الاتفاق، إذ انضم رئيس حركة تجمع قوى تحرير السودان الطاهر حجر، ورئيس حركة تحرير السودان- المجلس الانتقالي الهادي إدريس إلى تحالف السودان التأسيسي “تأسيس” الذي يتزعمه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”.

وفي نوفمبر 2023، تمت إقالة حجر وإدريس من عضوية مجلس السيادة، وحل مكانهما لاحقا صلاح الدين آدم “رصاص” وعبد الله يحيى اللذين انشقا عنهما وقادا حركتين بالاسم ذاته.

وبعد فترة من الحياد انحازت حركات رئيسية في الاتفاق إلى الجيش السوداني تحت مظلة “القوة المشتركة”، معتبرة أن الاتفاق ما زال إطارا شرعيا لتمثيلها ومشاركتها في السلطة.

وفي المقابل، تحالفت مجموعات أخرى مع قوات الدعم السريع، بينما اختارت فصائل ومجموعات الغموض، مما أسهم في تعقيدات وسط الأطراف الموقعة ورسخ قناعة بانتهاء صلاحية الصيغة القديمة.

إعادة هيكلة
ودافع المتحدث باسم حركة العدل والمساواة محمد زكريا عن الاتفاق ورأى أن تقييمه يجب أن يكون منصفا ومرتبطا بالظروف التي أحاطت بتنفيذه، وقال إنه لم يكن مجرد اتفاق لتقاسم السلطة، وإنما مشروع متكامل لمعالجة جذور الأزمة السودانية.

وفي حديث للجزيرة نت، يقر زكريا أن ما تم تنفيذه ربما لا يتعدى 15% من الاتفاق، وما تحقق من الخدمات والتنمية أقل من الطموح وما أنجز من تقدم كان في الجانب السياسي، إذ انتقلت الحركات الموقعة من المعارضة إلى المشاركة في مؤسسات الدولة، وأدى اندلاع الحرب إلى قطع المسار الطبيعي، وفقا للمتحدث.

وعن اتهام الأطراف الموقعة بالاهتمام بالمشاركة في السلطة وإهمال الجوانب الأخرى، رفض زكريا الاتهام وعده توصيفا غير دقيق لطبيعة الاتفاق ولا للظروف التي أحاطت بتنفيذه، مشيرا إلى أن المشارية السياسية كانت الجانب الأكثر ظهورا في التنفيذ، وربما الأسرع من حيث الإجراءات.

وغيّرت الحرب الأولويات بصورة جذرية حسب زكريا، ووجدت قوات الحركات الموقعة على الاتفاق نفسها في مواجهة تهديد جديد، فانتقلت إلى العمل العسكري، بدلا من معسكرات الدمج والتسريح.

وتلتقي قوى وطنية وجهات إقليمية ودولية على أن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب صيغة جديدة، إما عبر “إعادة هيكلة اتفاق جوبا” ليستوعب التطورات الميدانية والاجتماعية الجديدة، أو دمج القضايا الرئيسية للسلام ضمن عملية تفاوضية وطنية شاملة تتجاوز النواقص والتحديات التي واجهت الاتفاق.

مرجعية فنية
ويقترح رئيس تحالف تنسيقية العودة إلى منصة التأسيس محمد وداعة مراجعة اتفاق جوبا عبر مؤتمر الحوار السوداني المرتقب، وعدها خطوة ضرورية، ورأى أن المراجعة لا تعني إلغاء السلام، بل نقد التجربة وتصحيح مسارها.

ويشير وداعة -في تصريح للجزيرة نت- إلى أن السلطة ليست غنيمة، والمناصب ليست ملكية دائمة، والاستحقاقات الانتقالية لا يجوز أن تتحول إلى امتيازات مستمرة ولا ينبغي أن تكون لأي جهة مشروعية مطلقة في تمثيل الشعب السوداني على حساب معاناته، ولا أن يتحول أي اتفاق إلى حق حصري في تحديد مستقبل البلاد.

غير أن رئيس مسار الوسط في اتفاق جوبا، التوم هجو، دافع عن الاتفاق بشدة، وقال للجزيرة نت إنه حقق نحو 80% من أهدافه، إذ أنهى الحرب في إقليم دارفور وأجزاء من منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق قبل أن تندلع الحرب في الخرطوم.

ويوضح هجو أن الفصائل العسكرية قبل الاتفاق كان لديها ما بين 1500 إلى 2000 مركبة قتالية، وأن الاتفاق تجاوز سلبيات الاتفاقات السابقة، وأن القوة المشتركة للحركات التي تقاتل مع الجيش حاليا وشاركت في دحر الدعم السريع من العاصمة ووسط البلاد وتتقدم في دارفور وكردفان من ثمار الاتفاق.

وحمل هجو حكومة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك بمكونيها العسكري والمدني مسؤولية تعثر تنفيذ بعض بنود الاتفاق ورأى أنه لا يمكن مراجعته أو تعديله وسيستمر حتى نهاية الفترة الانتقالية وإجراء انتخابات في البلاد.

ويرجح الخبير في فض النزاعات صالح أبو عمر أن يُعاد تقديم اتفاق جوبا بعد الحرب ليس كوثيقة حاكمة بل كمرجعية فنية وموضوعية تُقتبس منها الملفات الخدمية، وحقوق الأقاليم، والقضايا التنموية.

وتوقع الخبير أبو عمر، في حديث للجزيرة نت، التخلي عن هيكل التوزيع السياسي القديم لصالح عملية تفاوضية شاملة وموسعة، وعد محاصصات السلطة أكبر نقاط ضعف الاتفاق، إذ إن صيغة 2020 لم تعد تتناسب مع التوازنات الجديدة التي خلقتها الحرب.

وكان الاتفاق قد نص على 8 بروتوكولات، تتعلق بالعدالة الانتقالية، والتعويضات، وملكية الأرض، وتطوير قطاع المراعي والرعي، وتقاسم الثروة والسلطة، وعودة اللاجئين والنازحين.

كما منح فصائل الجبهة الثورية 3 مقاعد في مجلس السيادة الانتقالي و5 وزراء في مجلس الوزراء، إضافة إلى 75 مقعدا في المجلس التشريعي الانتقالي، ونص على دمج مقاتلي الحركات المسلحة في القوات النظامية على 3 مراحل، تنتهي بانقضاء أجل الفترة الانتقالية.

ومنح الاتفاق ذاته 40% من السلطة في إقليم دارفور لمكونات مسار دارفور، و30% إلى مكونات السلطة الانتقالية، و10% لحركات دارفور الموقعة على الاتفاق، و20% من السلطة لأهل المصلحة، وتم تخصيص 20% من الوظائف في الخدمة المدنية والسلطة القضائية والنيابة العامة والسفراء للجبهة الثورية.
نقلا عن “الجزيرة نت”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى