روح متجددة
بقلم: عصماء عاصم
حين يفلت الشيء من أيدينا، لا نرى في بادئ الأمر إلا الفقد؛ كأن ما غاب قد استلب من حياتنا موضعًا لا يُسدّ، وكأن العطاء لا يكون إلا فيما ظفرنا به، ولا يكون الحرمان إلا فيما أعرض عنا. فنحزن لما لم نبلغ، ونأسى لما لم يتم، وربما خاصمنا القدر في سرائرنا لأن الأمر جاء على غير ما اشتهت نفوسنا.
وما أكثر ما يُحسن المرء قراءة ما يوافق هواه، ويعجز عن قراءة ما يخالفه.
نحن نألف الأخذ حتى يستبدّ بنا سلطان الامتلاك؛ فإذا ظفرنا بشيء حسبناه خيرًا، وإذا مُنعناه حسبنا المنع شرًّا. نرى الشيء في صورته القريبة، ولا نرى مآله، وننظر إلى الباب إذا فُتح فنفرح، فإذا أُغلق اضطربنا، ولا يخطر لنا أن اليد التي أغلقت الباب قد تكون هي نفسها التي تصرف عنا ما لا نطيق عاقبته.
ثم تمضي الأيام، وتخفت في النفس حدّة الرغبة، وينكشف من الأمر ما كان مستورًا. عندها قد نعود ببصرٍ آخر إلى ما مضى؛ فنرى الباب المغلق لا كحاجزٍ صدّنا عن مرادنا، بل كسترٍ حال بيننا وبين ما لم نكن نعلمه، ونرى التأخير لا تعطيلًا، بل تدبيرًا أمهلنا حتى نبلغ من النضج ما يليق بما كُتب لنا.
لم يكن المنع يومًا جدارًا أصمّ، بل كان نافذةً تُطل على ما لا نراه.
فالله يرى المآلات ونحن لا نرى إلا الخطى، ويعلم ما وراء الأبواب ونحن لا نملك إلا أن نطرقها. قد نتعلق بأمرٍ ونحسب فيه تمام الخير، بينما يكون في تمامه ما يرهق الروح ويكدّر العمر. وقد نُلحّ في طلب شيء، ثم نكتشف بعد حين أن رحمته كانت في أن يحول بيننا وبينه.
ولعل أعمق ما يمنحه المنع أنه يردّ القلب إلى موضعه الصحيح. يعلّمنا أن نطلب الأشياء دون أن نستعبد لها، وأن نحب ما نرجوه دون أن نجعل حياتنا رهينةً لتحققه. فالأخذ يملأ الأيدي، لكن المنع يملأ الأرواح؛ لأن ما نأخذه قد ينتهي أثره عند حدود أيدينا، أما ما نتعلمه في زمن المنع فيبقى فينا، يغيّر نظرتنا، ويهذب رغبتنا، ويوسّع في القلب موضعًا لم يكن ليتسع لولا الفقد.
وربما كان في المنع عطاءٌ لا نراه يوم يقع؛ عطاءُ النجاة من أمرٍ لم نعلم شرّه، وعطاءُ النضج الذي لا تمنحه الأيام الرخية، وعطاءُ التحرر من تعلقٍ أرهق القلب، وعطاءُ الطريق الذي ما كان ليظهر لولا أن الطريق الأول قد أُغلق.
ولهذا قال ابن عطاء الله السكندري: «ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، ومتى فتح لك باب الفهم في المنع، عاد المنع عين العطاء.»
فما نعدّه اليوم نقصًا قد يظهر غدًا تمامًا، وما نحسبه انصرافًا قد يكون توجيهًا، وما نظنه فقدًا قد يكون حفظًا لا نملك مفاتيح فهمه بعد.
ولعل الإنسان لا يبلغ تمام الرضا حين يحصل على كل ما يريد، بل حين يطمئن إلى أن ما أراده الله له أحقّ بالثقة من كل ما أراده هو لنفسه.
فأيُّ بابٍ أوجعك إغلاقه يومًا، ثم اكتشفت بعد حين أن وراءه لطفًا لم تكن تراه؟