رأي

ملتقى الصحفيين بالخرطوم : أين تقع المعركة !؟

المسلمي البشير الكباشي

وأنا أتأمل صورة الزملاء المجتمعين في الخرطوم، المقيمين في السودان، والقادمين إليه من خارجه، أرى أمام ناظري خيرة من يعملون بهذه المهنة التي أصفها دائماً بـ«الحرون»؛ مهنة الصحافة.

فقد جمع المؤتمر أسماءً لامعة ومؤثرة في الفضاء السوداني، وأعتقد أنها كانت فرصة نادرة، من حيث الزمان والمكان والسياق.

وبصرف النظر عن الفعاليات التي حضرها الزملاء وشاركوا فيها، فإن لقاءهم بالسيد قائد الجيش، رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، كان فرصة مهمة للتزود بقدر وافر من المعلومات، وخوض نقاشات، والحصول على إجابات كاشفة لكثير من المعتمات في واقعنا المعقد.

غير أن الطريقة التي جُهِّز بها اللقاء شابتها أخطاء كثيرة-في تقديري – حجبت قدراً كبيراً من الإيجابيات المؤكدة التي كان يمكن أن تُحصد منه. ففي مثل هذه الفرص النادرة، لا بد أن تُصمَّم الرسائل بدقة، وأن يُنظَّف خط وصولها من كل ما من شأنه أن يشوش عليها.

وبمتابعتي لانعكاس جلسة رئيس مجلس السيادة مع الزملاء في الفضاء الإسفيري، وجدت أن معظم المحتوى انصرف إلى موضوعين: الأول، ما قاله الرئيس البرهان عن تكوين الدعم السريع؛ والثاني، اختلال المشاركة في المؤتمر بين صحفيي الداخل والخارج.

وإن كنت أرى أن اختلال المشاركة، على أهمية النقاش حوله والاستماع إلى مثيريه، محدود الأثر في سياق الصورة الأكبر، فإن إثارة موضوع تكوين الدعم السريع، والبحث عن المسؤولية واللوم بشأنه، ينطوي خطأ كبير في توقيته. وهو ما أضاع فرصة كان يمكن أن تكون ذات قيمة وطنية كبيرة.

فبدلاً من أن تنصرف خواتيم المؤتمر وتوصياته إلى استثمار وجود هذا العدد من الإعلاميين السودانيين المنتشرين في الخارج، بما يحملونه من خبرات مهنية، وعلاقات واسعة، وحضور في مؤسسات ووسائل إعلام ومراكز تأثير مختلفة، انشغل الناس بما قاله رئيس مجلس السيادة عن تأسيس الدعم السريع، وما سبق الحرب من ملابسات.

ولا شك أن هذه قضية مهمة، وأن المسؤولية عن نشأة الدعم السريع وتمكينه وتسليحه وإتاحة أسباب القوة له ينبغي ألا تُدفن أو تُطمس. لكن أهمية القضية لا تعني بالضرورة أن هذا هو وقتها، ولا أن هذا هو المنبر الأنسب لعرضها.

فالسودان يخوض الآن معركة وجودية ضد الدعم السريع ومشروعه؛ وهي معركة عسكرية في جوهرها، لكنها في الوقت نفسه معركة إعلامية وسياسية ودبلوماسية. وكان الأجدر بالمؤتمر أن يسأل: كيف نستثمر هذا الحضور الإعلامي السوداني في الخارج لخدمة السودان في معركته الكبرى؟

كان يمكن أن يكون المؤتمر مناسبة لتجلية صورة السودان في الإعلام الدولي، وتكوين شبكات إعلامية سودانية وعابرة للحدود، تربط الصحفيين السودانيين المنتشرين في عواصم العالم ومؤسساته الإعلامية، وتوفر تدفقاً مستمراً للمعلومات الموثوقة عن السودان وحربه، وتنتج تحليلات معمقة يستنير بها الرأي العام الإقليمي والدولي.

وكان يمكن لهذه الشبكات أن تضع في صدارة الاهتمام العالمي ما يتعرض له السودان من قتل وانتهاكات وتشريد وتدمير وإفقار، وما ترتكبه قوات الدعم السريع ومساندوها، وما يترتب على عدم كسب الحرب من تهديد لوحدة الدولة واستقرار الإقليم.

كان يمكن، باختصار، أن يتحول المؤتمر من مجرد تجمع للإعلاميين السودانيين إلى تأسيس بنية إعلامية شبكية وطنية ممتدة إلى العالم؛ تتحدث إلى الإعلام الدولي بلغته، وتقدم له المعلومات والتحليل والخبرات السودانية، وتواجه حملات التضليل، وتمنع اختزال المأساة السودانية في سرديات مبتسرة أو انتقائية.

وهذه، في تقديري، كانت ستكون الوظيفة الأهم للمؤتمر في هذه اللحظة: أن ينقل السودان من موقع المتلقي لما يُكتب عنه، إلى موقع الفاعل في صناعة الرواية التي تُكتب عنه.

أما أن تنصرف خواتيم المؤتمر إلى فتح جدل حول مسؤوليات سابقة على الحرب، بما أثاره حديث رئيس مجلس السيادة، فإن ذلك قد يصرف الجهد عن وجهة المعركة الحقيقية.

فهذه الملفات لن تُحسم اليوم، ولن تسقط غداً. وكل من أسهم في تكوين الدعم السريع، أو مكّنه، أو دعمه، أو يسّر له أسباب التمدد والاستعداد للحرب، أياً كان اسمه وموقعه، سيأتي يوم الحساب معه.

قد يفوت الحساب السياسي في وقته، لكن حساب التاريخ لا يفوت.

ولذلك لا أرى أن المطلوب هو إسقاط مسؤولية الماضي أو إعفاء أحد منها، وإنما ترتيب الأولويات. فنحن الآن أمام معركة ينبغي أن تتجه فيها طاقة السودانيين إلى ما يجمع ولا يفرق، وإلى ما يعزز قدرة الدولة على مواجهة الحرب عسكرياً وإعلامياً وسياسياً، وإلى وضع المأساة السودانية في صدر الاهتمام الدولي.

فليس من الحكمة أن نستهلك طاقتنا اليوم في معارك لن تُحسم، بينما توجد أمامنا معركة يمكن أن نحسم فيها الكثير: معركة الصورة، والرواية، والوعي، والرأي العام الدولي.

والإعلاميون السودانيون في الخارج كانوا يملكون، بحكم مواقعهم وعلاقاتهم وانتشارهم، فرصة نادرة لخوض هذه المعركة. وكان الأجدر بالمؤتمر أن يلتقط هذه الفرصة، وأن يبني حولها مشروعاً إعلامياً مستداماً، بدلاً من أن تنتهي خواتيمه إلى ساحة جدل حول الماضي.

فدفاتر المسؤولية يمكن أن تُفتح، بل يجب أن تُفتح، ولكن في وقتها، وبمساءلة عادلة ،لا تتحول إلى تشتيت للجهد الوطني. أما الآن، فالمطلوب أن نعرف أين تقع المعركة، وأن نوجه إليها كل ما نملك من قوة.

إن السودان لا يحتاج، في هذه اللحظة، إلى مزيد من الانقسام حول من أخطأ بالأمس، بقدر حاجته إلى إعلاميين يعرفون كيف يشرحون للعالم ماذا يحدث له اليوم، ومن يدفع ثمن هذه الحرب، ومن يغذيها، ومن يستفيد منها، وما الذي يعنيه استمرارها للسودان وللإقليم؟.

تلك كانت، في تقديري، فرصة المؤتمر الحقيقية؛ وكان ينبغي ألا تضيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى