رأي

“اقتراح متواضع”… قراءة بمقترح المبعوث الأميركي لتوسيع حظر السلاح في السودان

امجد فريد الطيب

في عام 1729 دعا جوناثان سويفت، في “اقتراح متواضع” وبلغة الحساب والجداول، إلى أن يبيع فقراء أيرلندا أطفالهم طعاما لموائد السادة الإنجليز. الفظاعة لم تكن في الفكرة وحدها، بل في نبرتها، أن تطلب من الضحايا أن يكونوا أكثر معقولية في موتهم، وأن يلتزموا الحياد إزاء من يقتلهم.

تقدم مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، أمام مجلس الأمن يوم الاثنين 24 أغسطس/آب، بمشروع قرار من أربعة عناصر: توسيع حظر دارفور المفروض بالقرار 1591 ليشمل السودان كله؛ وسريانه على كل الأطراف؛ وشموله المسيرات وتقنياتها؛ وزيادة عدد خبراء لجنة الجزاءات. وقال إن التدابير لا تمنح أفضلية لطرف ولا تُلحق ضررا بآخر.

لكن للدعوة تاريخا يكشف وظيفتها. فوتيرتها ترتفع كلما تقدم الجيش السوداني ميدانيا على ميليشيا “قوات الدعم السريع”، وتخفت كلما تعثر. ولم يبتكرها بولس من عنده؛ فقد سبقه إليها تحالف “صمود” الذي يرأسه رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك، المقيم في الإمارات.

والمشكلة ليست في حظر السلاح بذاته. المشكلة في التصميم الهيكلي لحظر مصمَم على تماثل شكلي داخل نزاع لا توجد فيه تماثلية في سلوك الأطراف ولا في كيفية الوصول إلى السلاح ولا في الالتزام بالقانون الدولي.

لم يُطرح المقترح كقرار جديد قائم بذاته، وما كان ذلك ليعجز واشنطن. بل زُجَ به في نقاش تمديد القرار 1591، الحظر الذي لم يتوقف خرقه منذ أبريل/نيسان 2023، بمد “الدعم السريع” بالسلاح والمرتزقة عبر تشاد وليبيا، وبطائرات عسكرية تهبط في مطارات دارفور. وحين امتدت الإدانة إلى الكونغرس، لم يأتِ المقترح لضبط سلوك داعمي الميليشيات، بل قفز بولس لتحويل الحظر وآليات الرقابة عليه إلى رهينة.

فإذا بقي المشروع بصيغته الحالية، التي تشمل توسعة تفويضه ليشمل الأراضي السودانية كافة، حتى موعد التصويت في 12 سبتمبر/أيلول، ودون وجود اقتراح آخر لتمديد تقني للقرار 1591 بشكله الحالي، فإن المجلس سيقف أمام خيارين: حظر يقيد قدرة الدولة على الدفاع عن مواطنيها، أو سقوط نظام الجزاءات برمته، وفي مقدمته فريق الخبراء الذي يرصد ويوثق الانتهاكات. ومع اعتراض روسيا والصين وباكستان والمجموعة الأفريقية، مقابل إصرار واشنطن ولندن وباريس، يصبح الاحتمال الثاني هو الأرجح، ما لم يُطرح تمديد تقني خلال فترة المشاورات. تلك هي المفارقة؛ نقاش يبدأ بدعوى تشديد الحظر فينتهي إلى إسقاطه، وآلية أُنشئت لحماية المدنيين يحولها التلاعب بالإجراءات إلى آلية تُمكن من استمرار وزيادة حدة الإبادة. كما أن القاعدة القانونية لا تُقاس بأناقة نصها، بل بقابليتها للإنفاذ على من يخرقها… وهنا يكمن الخلل.

الدولة السودانية لها موانئ ومصارف وشخصية قانونية، ومقعد في الأمم المتحدة. وهي بحكم ذلك ملزمة بإجراءات دولية فتفتَش سفنُها، وتُتعقَب معاملاتها، وتُجمَد حساباتها. أما “الدعم السريع” فلا عنوان قانونيا لها. ترسانة أسلحتها لا تمر عبر القنوات النظامية، بل عبر مهابط غير مسجلة، وممرات تهريب، وشهادات مستخدم نهائي مزورة، ووسطاء خارج السجل التجاري للعالم، وهو ما استفاد منه داعمو الميليشيات في خرق الحظر بشكله السابق على مدار السنوات الثلاث الماضية.

القيد المتماثل شكلا في نصه قد يُنتج أثرا شديد اللاتماثل في الواقع. فهو لا يعمل على السلاح، بل على القدرة القانونية على الحصول عليه. وهنا فهو يعاقب من يمكن مراقبته، ولا يبلغ من بنى قوته على خرق القواعد. ردد بولس في مجلس الأمن أن الطرفين سواء في افتقارهما إلى الشرعية. ولكن هذا ليس صحيحا. والفارق بينهما ليس فقط في حجم الانتهاكات. إنه فارق في الوظيفة والبنية والمآل.

في الوظيفة، الجيش جهاز داخل دولة. يتلقى موازنته من الخزانة العامة، ويخضع للقانون والمحاكم، وتتحمل الدولة تبعة أفعاله بوصفها عضوا موقعا على اتفاقيات جنيف. وخلفه، رغم كل شيء، دولة تدفع رواتب المعلمين والأطباء، وتشغل الموانئ والمصارف، وتقوم بدورها كمقدم للحماية.

بينما الميليشيا تمارس العنف المجرد وتأخذ المواطنين في مناطق سيطرتها رهائن للعنف البدائي الموثق.

في البنية، الميليشيا ليست جيشا موازيا. هي منظومة عنف. تمويلها ذهب مهرب، وتجنيدها وعد بالغنيمة، وسيطرتها نهب وفدية واغتصاب. النهب ليس انحرافا عن طريقة عملها؛ إنه نموذج عملها. ومطالبتها بحماية المدنيين أو خدمتهم مطالبة بالكف عن كونها ما هي. في المآل، والاختبار بسيط: ماذا يحدث للسكان حين يسيطر كل طرف؟ في الفاشر، وبعد حصار تجاوز خمسمئة يوم، اقتحمت “قوات الدعم السريع” المدينةَ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وانتزعت السيطرة عليها من قبضة الجيش. وقدرت المفوضية السامية لحقوق الإنسان، استنادا إلى 140 مقابلة مع ناجين، وإلى صور الأقمار الاصطناعية، أن أكثر من 6000 شخص قُتلوا في ثلاثة أيام، مع ترجيح أن الرقم أعلى. وفي “المستشفى السعودي للولادة”، آخر مستشفى عامل، قُتل 460 من المرضى ومرافقيهم وفق منظمة الصحة العالمية. وكان العنف الجنسي منهجيا وموجها إلى نساء الزغاوة. وحين بحث مختبر ييل عن موجة نزوح من مدينة يسكنها ربع مليون، لم يجد حركة تُذكر: معظم السكان قُتلوا أو أُسروا أو اختبأوا. والسد الذي أخر ذلك خمسمئة يوم كان صمود الجيش.

وفي الأبيض، حيث تعذر على “الدعم السريع” الاقتحام، أحاطَ الحصارُ بالمسيرات محطةَ الكهرباء الحرارية في يناير/كانون الثاني 2026، ثم المحول الرئيس في يونيو/حزيران. أظلمت المدينة، وتوقفت مضخات المياه، وأصابت المسيرات 18 مرفقا صحيا في ربع واحد. النموذج واحد: تجويع، فإظلام، فاقتحام.

وفي المقابل، وثقت المنظمة الدولية للهجرة عودة قرابة خمسة ملايين نازح ولاجئ إلى مناطق استعادها الجيش. هذا هو “التصويت بالأقدام”، كما وصفه تشارلز تيبوت في “نظرية خالصة للإنفاق المحلي”، حين تعجز الحجج، تكشف الأقدام التفضيل. والناس يعودون إلى حيث تُفتح المدارس وتصدر شهادات الميلاد. كما أن مسيرات “الدعم السريع” التي أظلمت الأبيض لم تُصنع في نيالا. ووثق فريق الخبراء منذ يناير/كانون الثاني 2024 أدلة “ذات مصداقية” على إمداد أبوظبي الممول الخارجي الأبرز لـ”الدعم السريع” لها بالسلاح عبر تشاد. ومعنى ذلك، بلغة القانون لا السياسة، أن ما يجري ليس “حربا أهلية” خالصة، بل استخدام للقوة من دولة أخرى عبر وكيل مسلح. وقد قضت محكمة العدل الدولية في نيكاراغوا 1986 أن تسليح جماعة مسلحة لتقاتل داخل دولة أخرى استخدام غير مشروع للقوة، وثبتت المبدأ في الكونغو ضد أوغندا عام 2005، والمادة 51 تصف الدفاع عن النفس بأنه “حق طبيعي”: سابق على الميثاق لا مستمد منه. لا قرار يمنحه ولا قرار يسلبه.

درسان لم يُقرآ جيدا
في 1936 أنشأت بريطانيا وفرنسا لجنة عدم التدخل في الحرب الأهلية الإسبانية. بدا المبدأ محايدا. لا سلاح لأحد. لكن الجمهورية كانت الحكومة الشرعية المعترف بها، ولها ما لأي دولة ذات سيادة من حق الشراء؛ فجاء الترتيب ليعلق حقا قائما. أما فرانكو فتلقى من ألمانيا وإيطاليا، وهما موقعتان على الاتفاق ذاته، طائرات وجنودا. والنتيجة، سقطت إسبانيا تحت قبضة الحكم الفاشي لمدة 36 سنة. وفي سبتمبر/أيلول 1991 فرض مجلس الأمن بالقرار 713 حظرا شاملا على يوغوسلافيا كلها، بطلب من بلغراد نفسها. كان النص متماثلا جغرافيا. لكن الجيش الاتحادي كان يملك ترسانة من الأكبر في أوروبا وقاعدة صناعية عسكرية، بينما لم تملك البوسنة شيئا مماثلا حين صارت دولة عضوا في 1992، وظلت مقيدة بحظر فُرض على دولة لم تعد قائمة. وعندما احتجت بأنه يعطل حقها في المادة 51، لم يُرفع الحظر إلا في 1996، بعد فوات الأوان بالنسبة لسربنيتشا.

وبينما يحذر بولس من المسيرات ويطالب بإدراجها صراحة في الحظر، قررت الحكومة الأميركية في 10 يوليو/تموز 2026 إزالة الإمارات من مجموعتي الدول “دي-3” و “دي-4” في لوائح إدارة التصدير، وإعادة تصنيفها ضمن المجموعة “إي-5”. وهذا ليس تعديلا إداريا في جدول. فمجموعة “دي-4” ترتبط بضوابط تقنية الصواريخ وأنظمة الإيصال، التي تشمل المسيرات، وقد أوضحت وزارة التجارة أن الإزالة ستؤدي، من بين أمور أخرى، إلى رفع القيود على دعم برامج المسيرات الإماراتية. والانتقال إلى “إي-5” يفتح الباب أمام ترتيبات أوسع بموجب “ترخيص الاسراتيجي التجاري” لمواد خاضعة للضوابط الأميركية. أي إن التخفيف شمل بيئة التكنولوجيا والتوريد التي تُنتج القدرات المسيرة عند الممول الأكبر للميليشيا. وهو تناقض لا يمكن تجاهله.

وليست بريطانيا في موضع أفضل؛ فسجلها موثق بأرقامها هي.

هذا ليس حيادا على الإطلاق. فالسودان لا يحتاج إلى حظر جديد للسلاح بل يحتاج إلى إنفاذ ما هو قائم بالفعل:
أولا: تمديد تقني لتدابير 1591 في 12 سبتمبر/أيلول 2026، وضمان استمرار ولاية فريق الخبراء الممتدة إلى 12 أكتوبر/تشرين الأول، بدل استخدام التجديد لهندسة تعطل النظام. ثانيا: نقل مركز الثقل من الجغرافيا إلى الفاعلين، عبر ملاحقة الدول والوسطاء والناقلين والممولين، وإدراجهم على القوائم، وإخضاع ممرات الإمداد للتفتيش الإلزامي.

ثالثا: إدراج المسيرات وتقنياتها في الحظر (على سلسلة التوريد لا على ساحة السقوط)، وتشديد شهادات المستخدم النهائي، ووسم العتاد وتعقبه، والتحقق من إعادة التصدير.

رابعا: تمكين فريق الخبراء من التحقيق في الدول الثالثة ومسارات التهريب، ونشر أسماء المخالفين، وتوسيع ولايته لتشمل تسرب السلاح إلى الساحل وحوض بحيرة تشاد. فالأمن الإقليمي لا يتوقف عند حدود يرسمها قرار.

خامسا: الحفاظ على التمييز القانوني بين الدولة والميليشيا. وهذا لا يعني حصانة، فالدولة مسؤولة عن انتهاكات قواتها، وكل هجوم على مدني أو سوق أو مستشفى يجب أن يخضع للتحقيق. لكن ثمة فرقا جوهريا بين مساءلة الدولة ونزع قدرتها على الدفاع عن مواطنيها. فالأولى مطلب إصلاح، أما الثانية فنقل لكلفة الالتزام إلى الطرف الملتزم.

أمام مجلس الأمن خياران لا واحد. أن يوقف السلاح عند مصدره، فيواجه الممولين والوسطاء والموانئ والرخَص، ويستدعي شجاعة تجاه حلفاء أثرياء. أو أن يوقف الدفاع عند مقصده، فيواجه الطرف الوحيد الذي يملك عنوانا يمكن معاقبته، ولا يستدعي سوى صياغة أنيقة.

اختيار الثاني ليس حيادا، وليس تدرجا، وليس واقعية سياسية. إنه اقتراح جوناثان سويفت في ثوبه المعاصر: منطق لا عيب في اتساقه الداخلي، ولا صلة له بالعالم الذي يدعي إصلاحه.

وحين يُكتب تاريخ هذه الحرب، لن يُسأل المجلس عما قاله في جلسة الاثنين، بل عما سمح نصه بأن يحدث في الفاشر التالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى