رأي

قطعت الكهرباء يوم حُلَّت اللجان الفنية… ولو بطريقة مستترة

عادل الرفاعي أبوالحسن

عندما تنقطع الكهرباء، ينصرف الحديث عادةً إلى الحديث عن الأعطال والحرائق ونقص الوقود وتوقف المحطات. وهذه كلها أسباب ظاهرة، لكنها ليست أصل المشكلة.

فالسؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا تعطلت المحطة؟ ولماذا حدث العطل؟ بل السؤال الأهم: أين ذهبت اللجان والفرق الفنية التي كانت تعمل على استدامة التيار الكهربائي، وزيادة التوليد، والتخطيط لاحتياجات السودان المستقبلية؟ فالأزمات الكبرى لا تبدأ يوم تظهر نتائجها، وإنما تبدأ يوم تُضعف المؤسسات التي تمنع وقوعها.

ويقدم سد مروي (وحدة تنفيذ السدود) نموذجًا مهمًا في كيفية إدارة المشاريع الاستراتيجية. فلم يكن السد مجرد مشروع لتوليد الكهرباء، بل كان رؤية متكاملة لبناء قطاع طاقة يخدم السودان لعقود قادمة.

فقد صاحب المشروع بناء منظومة متكاملة من القوانين واللوائح والتشريعات والضوابط المنظمة للعمل، إلى جانب وضع آليات التدريب والتأهيل، والرقابة والمتابعة، والتطوير المستمر، والاستفادة من الخبرات الوطنية والدولية، والعمل على توطين المعرفة حتى أصبحت الكفاءات السودانية قادرة على إدارة وتشغيل المشروع.

كما لم يقتصر الاهتمام على إنشاء السد ومكوناته الأساسية، بل امتد إلى المشاريع المصاحبة التي هدفت إلى الاستفادة من البنيات التحتية التي صاحبت قيام سد مروي، وتعظيم أثر المشروع اقتصاديًا واجتماعيًا، وربط الطاقة بمشروعات التنمية والإنتاج.

وكانت الرؤية تتجاوز إنتاج الكهرباء من السد إلى التخطيط لمستقبل الطاقة في السودان لعقود طويلة، وتوفير الكهرباء لكل القطاعات: الزراعية، والصناعية، والسكنية، والخدمية، باعتبار الطاقة أساسًا للإنتاج والتنمية والاستقرار.

ولهذا لم يتوقف التفكير عند بناء السد، بل امتد إلى ما بعده: كيف نلبي الطلب المتزايد على الكهرباء؟ وكيف ننوع مصادر التوليد؟ وكيف نضمن استدامة الطاقة؟

ومن هنا ظهرت اللجان والفرق الفنية المتخصصة؛ فتم إنشاء اللجنة التوجيهية لبرنامج الطاقة النووية، واللجنة الوطنية لبرنامج التوليد النووي السلمي، التي عملت بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإعداد البنية التحتية اللازمة لمشروع استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية لتوليد الكهرباء في السودان. وشملت تلك الجهود إعداد الدراسات الفنية، وعقد الاجتماعات وورش العمل، والاستفادة من الخبرات المتخصصة، إضافة إلى أعمال المسح والدراسات الأولية لاختيار المواقع المناسبة وفق المعايير الفنية والبيئية المطلوبة، تمهيدًا للانتقال إلى مراحل التنفيذ عند اكتمال المتطلبات اللازمة.

كما عملت فرق وبرامج للطاقة المتجددة داخل وزارة الموارد المائية والري والكهرباء، لدراسة وتطوير مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب لجان فنية للتوليد المائي، والتوليد الحراري، والنقل والتحكم، والتوزيع، والربط الكهربائي الإقليمي.

كما ارتبطت هذه المنظومة بلجان وفرق مختصة بأمن وأمان وصيانة السدود، والأمن المائي السوداني، لمتابعة سلامة المنشآت المائية، ورصد مناسيب المياه، والتأكد من انسيابها بصورة منتظمة، ومعالجة أي خلل أو إشكالية في الوقت المناسب.

ولم يكن الأمن المائي مقتصرًا على حماية المورد المائي فقط، بل كان مرتبطًا كذلك بضمان وصول المياه إلى المشاريع الزراعية، وتأمين احتياجات الري، ومتابعة توفر المياه اللازمة للإنتاج الزراعي، بما يدعم الأمن الغذائي والزراعي بصورة غير مباشرة.

فالمياه والكهرباء والزراعة كانت ضمن منظومة واحدة مترابطة؛ لأن إدارة الموارد المائية بصورة صحيحة تعني حماية التنمية، ودعم الإنتاج، وتعزيز أمن السودان المائي والزراعي.

هذه لم تكن لجانًا شكلية، بل كانت عقل الدولة الفني في قطاعات الطاقة والمياه والتنمية.. ومن هنا يأتي السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: ماذا حدث لهذه اللجان؟

فقد شهدت هذه القطاعات بعد عام 2019 تغييرات واسعة، تم خلالها إبعاد وفصل عدد من العاملين في هذه اللجان والفرق الفنية من أصحاب الخبرات المتراكمة. ولم تكن المشكلة فقط في خروج هذه الكفاءات، وإنما في عدم إحلال البديل، وعدم ضمان استمرار المعرفة المؤسسية. وهنا يمكن القول إن هذه اللجان لم تُحل دائمًا بقرار معلن، لكنها تعرضت لما يمكن وصفه بـ الحل المستتر؛ إذ إن إفراغ اللجنة من كوادرها، وتعطيل دورها، وتركها بلا فاعلية، يجعلها موجودة بالاسم وغائبة عن أداء رسالتها.. فالمؤسسات لا تموت فقط عندما يصدر قرار بإلغائها، بل تموت أيضًا عندما تُفرَّغ من الخبرات التي تمنحها القدرة على العمل.

والسؤال هنا: لماذا هذه اللجان بالذات؟ ولماذا اللجان المرتبطة بالمشروعات الاستراتيجية التي تعمل على مستقبل السودان؟

إن المطلوب من الدول ليس المحافظة على الأشخاص، وإنما المحافظة على المعرفة والخبرة المؤسسية. وإذا تغيرت إدارة أو غادر موظف، فإن البديل يجب أن يكون حاضرًا، لأن بناء الخبرة الوطنية يحتاج سنوات طويلة.

إن ما حدث في قطاع الكهرباء والمياه، خلال السنوات الماضية، يستحق المراجعة، لأن أثره لم يتوقف عند انقطاع التيار فقط، بل امتد إلى المستشفيات، والمصانع، والزراعة، والتعليم، والخدمات، وكل مقومات الحياة.. ولذلك فإن الحديث عن الحرائق والأعطال وحدها لا يكفي؛ فهذه أعراض. أما أصل المشكلة فهو: أين ذهبت المؤسسات التي كان دورها منع هذه الأزمات قبل وقوعها؟

وهذا السؤال لا يخص الكهرباء وحدها، بل هو سؤال السودان الأكبر: لماذا يتم إضعاف المؤسسات الاستراتيجية بدل تطويرها؟ ولماذا تُترك مؤسسات الدولة خاوية من الخبرات والرؤية والقدرة على التخطيط؟

ومن المسؤولية التاريخية والدينية والأخلاقية والوطنية أن تقوم إدارة سد مروي (وحدة تنفيذ السدود) بوضع الحقائق أمام الشعب السوداني، وتوضيح ما الذي حدث لهذه اللجان والفرق الفنية، وما وضعها الآن، وما الدور الذي تقوم به، وما الذي استمر منها وما الذي توقف.. فكشف الحقائق ليس بحثًا عن اللوم، وإنما هو حماية لذاكرة الدولة، وحفظ للخبرات الوطنية، ومعرفة ما الذي يجب استعادته وإصلاحه . كما أن المسؤولية تقع على عاتق من يديرون شؤون البلاد اليوم لمراجعة المؤسسات الاستراتيجية كافة؛ في الكهرباء، والبترول، والزراعة، والتعليم، والصحة، وكل القطاعات التي تمثل أساس نهضة السودان.

إن الواجب الآن ليس إضاعة الزمن في المماحكات، وإنما إعادة بناء المؤسسات، واستعادة الخبرة، ووضع الكفاءة والمصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.. فالكهرباء لا تُنتج فقط بالمحطات، بل بالعقول التي تخطط لها، والمؤسسات التي تحمي استمرارها.. وهذه من البديهيات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى