تقارير

لغـز الجندي الأمريكي السابق ورحلات بوينج الغامضة في مسارات الحرب بالسودان

الأحداث – وكالات
خلُص تحقيق أجرته وكالة “رويترز” للأنباء، بواسطة الصحفيين، ألكسندر جاديش و ريد ليفينسون و ديفيد لويس، ونشرته باللغة الإنجليزية في 16 يوليو الجاري، إلى أن شركات يمتلكها جندي سابق، من قدامى المحاربين، في القوات الخاصة بالجيش الأمريكي قامت بتشغيل أسطول من طائرات بوينج القديمة، التي كانت ما تزال تعمل، لتشوين مراكز لوجستية رئيسية كانت تستخدمها قوات الدعم السريع خلال الحرب في السودان و أن إحدى شركاته الضالعة في النقل مسجلة في الإمارات العربية المتحدة.

وكشف التحقيق أن الشركات صاحبة الطائرات يمتلكها متعاقد أمريكي مخضرم عمل لسنوات مع الحكومة والجيش الأمريكيين ، قامت بتشغيل عدد من الطائرات لتربط بين خطوط إمداد إقليمية ومعقل القوات شبه العسكرية المتهمة بارتكاب إبادة جماعية في السودان.

وعرف ستيفن شاوليس (63 عاما)، بأنه أحد قدامى المحاربين في القوات الخاصة بالجيش الأمريكي، و أنه رئيس شركة (CADG) التي تتخذ من سنغافورة مقرا لها، و تعرف باسم (سنترال آشيا ديفلوبمنت جروب)، وهي شركة عالمية حصلت على عقود من الولايات المتحدة والأمم المتحدة على مدى أكثر من 20 عاماً.

إلا أن اللافت في تحقيق رويتر هو أن نفس الجندي السابق يمتلك شركة أوكسدنتال سبورت سيرفسس، بالكامل وهي مسجلة في الإمارات العربية المتحدة وفقاً لسجلات الشركة ووثائق توظيف اطلعت عليها “رويترز” ومن هذه الشركة جاء الطيارون و مساعدوهم الذين كانوا يقودون الطائرات المذكورة و منها الطائرة التي ضُربت في مطار نيالا وقتل جميع من فيها.

وتُظهر سجلات رسمية أن شركات ستيفن شاوليس حققت ما لا يقل عن 419 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين عبر مشاريع عسكرية ومشاريع مساعدات خارجية، وشملت أعمال هذه الشركات إنشاء بنى تحتية للقوات الأمريكية في أفغانستان، وتوفير أنظمة تكييف للقوات في العراق، والعمل في مطار لصالح وزارة الدفاع الأمريكية في كينيا.

ويقول التحقيق “لكن خلف الستار، توصلت رويترز إلى أن شركات ستيفن شاوليس قامت بتشغيل ما لا يقل عن ثلاث طائرات بوينج قديمة كانت ماتزال تحلق(أي بحالة جيدة للطيران- المحرر) إلى مراكز لوجستية رئيسية تستخدمها قوات الدعم السريع، وهي الجماعة شبه العسكرية المتهمة بارتكاب فظائع في إقليم دارفور بالسودان”.

وتشير الوكالة بأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا والأمم المتحدة تفرض عقوبات على كبار قادة قوات الدعم السريع، إضافة إلى أكثر من عشرين شخصا وشركة اتُّهموا بالمساعدة في شراء الأسلحة والمعدات وتجنيد المرتزقة لصالح القوة شبه العسكرية. ولم تعثر رويترز على أي دليل يشير إلى أن شاوليس أو أياً من شركاته يخضعون لعقوبات أو يواجهون اتهامات من السلطات بارتكاب مخالفات.

وتنشر “رويترز” للمرة الأولى معلومات عن صلة شركات شاوليس بالحرب في السودان و بدأت خيوط التحقيق، التي قادت إلى ستيفن شاوليس، بطائرة غامضة من طراز بوينج 737 ‌دمرتها القوات المسلحة السودانية في مايو 2025 في مطار نيالا، معقل قوات الدعم السريع في دارفور. “وذكر مصدر مطلع مباشرة على الواقعة لرويترز أن 51 مقاتلاً من قوات الدعم السريع كانوا ضمن 54 شخصا قتلوا في الضربة”. وفقاً لرويترز.

كما رصدت رويترز طائرتين أخريين من طراز بوينج 727 مرتبطتين بشركات تابعة لاستيفن شاوليس تم نقلهما من البرازيل والولايات المتحدة إلى تشاد منذ أكتوبر 2024، ونفذتا رحلات إلى مراكز إمداد معروفة تستخدمها قوات الدعم السريع.

وتقول الوكالة “امتنع شاوليس عن الإجابة عن أسئلة تفصيلية من رويترز بشأن شركاته أو طائرات البوينج. كما لم ترد قوات الدعم السريع أو الجيش السوداني على استفسارات رويترز.”

يستند هذا التقرير إلى مراجعة سجلات شركات وسجلات طيران وعقود بيع وتوظيف وصور أقمار صناعية وبيانات تتبع رحلات وبيانات مواقع هواتف محمولة ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما أجرت رويترز مقابلات مع أكثر من 40 شخصا، بينهم مسؤولو مخابرات ودبلوماسيون ومديرو شركات طيران وخبراء في الأسلحة والسياسة الإقليمية.

ومنذ اندلاع الحرب عام 2023، نجحت قوات الدعم السريع في بناء ترسانة كبيرة والسيطرة على مساحات شاسعة من السودان. ولخوض الحرب، اعتمدت على خطوط إمداد واسعة تمر عبر دول مجاورة لتوصيل الوقود والأسلحة والمقاتلين الأجانب إلى مناطق سيطرتها.

وقال كريستوفر كارلسون، منسق مشروع السودان في (سمول آرمز سيرفي)، التي شاركت مع رويترز بعض أبحاثها الجارية حول هذه الشبكات الجوية من أجل هذا التقرير، إن “هذه الأنظمة عبارة عن شبكات إمداد عالمية ذات طابع دولي على نحو واضح. تعتمد قوات الدعم السريع على طرق إمداد جوية وبرية متعددة، ومزودي خدمات لوجستية، وعدد من الوسطاء المختلفين”.

وتكشف طائرات بوينج التي أدارتها شركات شاوليس جانبا من المراحل الأخيرة لتلك السلسلة، إذ ربطت مراكز جوية في تشاد وليبيا والصومال بأراض تسيطر عليها قوات الدعم السريع في دارفور.

وذكر خبراء بالأمم المتحدة ومسوؤلو مخابرات ودبلوماسيون ومحللون عسكريون أن هذه المراكز كانت على درجة بالغة من الأهمية في جسر جوي كبير لتزويد مقاتلي قوات الدعم السريع في دارفور خلال حصار استمر 18 شهرا لمدينة الفاشر. وبدأت عملية الإمداد في فبراير من العام ⁠الماضي واستمرت حتى سقوط الفاشر في أكتوبر.

وتُظهر بيانات تتبع الرحلات وصور الأقمار الصناعية ومقطع مصور مفتوح المصدر أن الطائرات الثلاث المرتبطة بـستيفن شاوليس هبطت ما لا يقل عن 16 مرة في ثلاثة مراكز رئيسية هي بوصاصو في الصومال، والكفرة في ليبيا، التي تبين أنها كانت شديدة الأهمية لعملية الفاشر، ونيالا في دارفور. وكانت هذه الطائرات تتمركز غالبا في نجامينا عاصمة تشاد، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية وجودها داخل الجزء العسكري من مطار المدينة الخاضع لسيطرة الجيش التشادي. ويقول خبراء بالأمم المتحدة ودبلوماسيون وخبراء إقليميون ومنظمات حقوقية إن هذه المطارات مراكز إمداد تستخدمها قوات الدعم السريع على نحو منتظم.

ولم ترد حكومة الإمارات أو وزارة الدفاع الأمريكية أو السلطات في شرق ليبيا على أسئلة رويترز المتعلقة بهذا التقرير.

وقال وزير الخارجية التشادي عبد الله صبري فضول في بيان إن دور تشاد الوحيد في الحرب السودانية يتمثل في “الجهود الدبلوماسية لاستعادة السلام في هذا البلد الشقيق”، مضيفا أن البنية التحتية العسكرية في تشاد تُستخدم حصرا في العمليات المحلية لقواتها المسلحة.

وقال إبراهيم دادي، المدير العام لهيئة الطيران المدني في تشاد، إن أيا من طائرتي بوينج 727 أو الطائرة بوينج 737 لم تحصل على تصريح للعمل من تشاد، مضيفا أن السلطات لم تتلق طلبات رسمية لتسجيل الطائرات أو إصدار الشهادات اللازمة لهبوطها أو تحليقها من تشاد.

ووفقا للموقع الإلكتروني للشركة، فإنها مسجلة في سنغافورة، ولها مستودع بمساحة 75 ألف قدم مربعة في دبي وقواعد جوية في جنوب أفريقيا والسودان، وأنجزت مشروعات بقيمة 800 مليون دولار في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.

وتظهر مراجعة أجرتها رويترز لوثائق حكومية، أن عقود الشركة مع الحكومة الأمريكية في أفريقيا تشمل تشييد مبان لوكالة التنمية الدولية الأمريكية في موزامبيق، ومنشآت إمدادات مياه للقوات الجوية الأمريكية في كينيا، ومباني للجيش الأمريكي في جمهورية أفريقيا الوسطى.

ووفقا لحسابات أجرتها رويترز استنادا إلى بيانات الأمم المتحدة، تقاضت شركات تابعة لشركة “سي.إيه.دي.جي” أكثر من 160 مليون دولار مقابل أعمال مقاولات مع وكالات الأمم المتحدة خلال العقدين الماضيين. ومن المرجح أن تكون هذه الأرقام المتعلقة بأعمال المقاولات مع الأمم المتحدة والحكومة الأمريكية أقل من القيمة الإجمالية الفعلية للأعمال التي أنجزتها شركات شاوليس بسبب ثغرات في السجلات وصعوبة حصر جميع العقود.

لقد شكل الهجوم على أول طائرة ربطتها رويترز بشاوليس، وهي طائرة بوينج 737، نقطة تحول في الحرب في السودان وأدى إلى تصعيد كبير.

وقال الجيش السوداني إنه دمر الطائرة في الثالث من مايو 2025 لأنها كانت تزود قوات الدعم السريع بالإمدادات.

وفي اليوم التالي للهجوم، شنت قوات الدعم السريع سلسلة من الهجمات بطائرات مسيرة على بورتسودان، العاصمة المؤقتة للحكومة خلال الحرب. وبعد ذلك قطعت الحكومة التي يقودها الجيش علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، متهمة إياها بدعم هجمات الطائرات المسيرة.

واستطاعت رويترز تحديد هوية الطائرة من خلال طلائها المميز باللونين الأبيض والأحمر الداكن (العنابي)، وهو تصميم يعود إلى الفترة التي كانت تستخدم فيها كطائرة تجارية. وقبل ساعات من استهدافها، ظهرت الطائرة في صورة ملتقطة بالأقمار الصناعية داخل القسم العسكري ‌من مطار نجامينا الدولي في تشاد، حيث ⁠كانت متوقفة في واحدة من أكثر المناطق الأمنية تحصينا في البلاد، والتي تتواجد فيها عادة الطائرات المسيرة والمقاتلات وحتى طائرة الرئاسة التشادية.

وبعد ساعات، هبطت الطائرة في مطار نيالا الخاضع لسيطرة قوات الدعم السريع. وقال محلل عسكري غربي، نقلا عن مصادره، إن الرحلة كانت الرابعة للطائرة إلى ذلك المطار الصغير عندما وصلت نحو الساعة العاشرة مساء في الثاني من مايو.

وبعد نحو أربع ساعات فحسب، نفذ الجيش السوداني غارات جوية استهدفت الطائرة. ولم ترد القوات المسلحة التشادية على طلب للتعليق بشأن وجود طائرات البوينج في القسم العسكري من مطار نجامينا.

وقال المصدر المطلع بشكل مباشر على الواقعة إنه بالإضافة إلى القتلى البالغ عددهم 54، فقد نُقل 57 مصابا بينهم عدد غير معروف من مقاتلي قوات الدعم السريع، إلى المستشفى السوداني التركي في نيالا. وأضاف المحلل العسكري أن ما لا يقل عن ستة ضباط كبار في قوات الدعم السريع كانوا بين القتلى.

وشملت قائمة القتلى طيارا من جنوب السودان وآخر من كينيا ومهندسا أرضيا من بيرو. وكان الطيارالمنتمي لجنوب السودان والمهندس يعملان لدى شركة أوكسدنتال سابورت سيرفيسز المملوكة لشاوليس، والتي تتخذ من الإمارات مقرا لها، في وقت الرحلة التي لقيا مصرعهما خلالها، وفقا لنسخ من عقديهما اطلعت عليها رويترز وسجلات قدمتها شركة استعلامات تجارية.

بينما كانت شركة أوكسدنتال، المملوكة لشاوليس، توظف الطيار من جنوب السودان والمهندس الأرضي اللذين كانا على متن الطائرة بوينج 737، لم تتمكن رويترز من تحديد الجهة المالكة للطائرة عند تدميرها في نيالا. ففي قطاع الطيران غالبا ما توفر الشركات أطقم تشغيل من دون أن تمتلك الطائرة نفسها.

بعد مرور أسابيع قليلة على تدمير الجيش السوداني للطائرة بوينج 737، اشترت شركة أخرى تابعة لشاوليس طائرة بوينج أخرى كانت هذه المرة من طراز 727 ومن إنتاج عام 1980، واشترتها من شركة كاليتا تشارترز 2 المحدودة، وهي شركة متعاقدة مع الحكومة الأمريكية ومقرها ولاية ميشيجان في الغرب الأوسط الأمريكي.

وكانت هذه هي الأولى من ثلاث طائرات بوينج 727 اشترتها شركات وأفراد مرتبطون بشاوليس من شركة كاليتا ونقلوها إلى أفريقيا. وتتبعت رويترز مسار أول طائرة تم شراؤها من كاليتا إلى مراكز إمداد قوات الدعم السريع، لكنها لم تجد دليلا على أن الطائرتين الأخريين سلكتا نفس المسارات.

وكشفت بيانات تتبع الرحلات الجوية وصور أقمار صناعية ورسالة أصدرتها هيئة الطيران المدني التشادية في فبراير 2026 وشاركها محامي شركة كاليتا أن الطائرة هبطت في نجامينا في نفس يوم توقيع العقد 29 مايو، وقال مونرو، عند التواصل معه للتعليق، إن شركة (أوكسيدنتال سابورت سيرفيسيز) قدمت تمويلا لشركة كونتراكتور إيرويز لشراء الطائرات.

وأضاف أن تلك الطائرة وطائرة أخرى من طراز 727 من كاليتا حلقت إلى تشاد هذا العام ظلتا متوقفتين منذ وصولهما باستثناء قيامهما ببعض “الرحلات من وإلى نجامينا لنقل معدات طبية لأحد العملاء، في سياق أعمالنا المعتادة”.

وأحال شاوليس الاستفسارات المتعلقة بالطائرات إلى مونرو، وقال إنها بيعت دون تقديم مزيد من التفاصيل. ولم يتم الرد على العديد من الرسائل والمكالمات على عنوان البريد الإلكتروني ورقم الهاتف المذكورين في رخصة شركة أوكسيدنتال التجارية.

وتظهر صور أقمار صناعية أن أول طائرة بوينج 727 من شركة كاليتا ظلت متوقفة داخل القسم العسكري شديد الحراسة بمطار نجامينا على مدى فترات طويلة من العام الماضي.

وتظهر صور أقمار صناعية وبيانات الموقع لجهاز محمول كان على متن تلك الطائرة، ⁠وطائرة أخرى بوينج قديمة ربطتها رويترز بشركات شاوليس، أن الطائرة قامت بسبع رحلات على الأقل إلى مطار الكفرة في ليبيا خلال الفترة بين يونيو حزيران وأكتوبر 2025.

وكانت مجموعة (كونفليكتس إنسايتس جروب)، وهي منظمة بحثية غير ربحية تعمل على متابعة الصراع في السودان، هي التي قدمت بيانات الهاتف المحمول وقامت بتحليلها.

وأفادت رويترز أن المطار النائي في جنوب شرق ليبيا، والذي يقع على بعد حوالي 300 كيلومتر من الحدود السودانية، كان بالغ الأهمية خلال حصار قوات الدعم السريع لمدينة الفاشر. وتقع منطقة الكفرة الصحراوية الكبيرة تحت سيطرة قائد عسكري ليبي متحالف مع الإمارات التي يتهمها مشرعون أمريكيون وخبراء من الأمم المتحدة بأنها تدعم قوات الدعم السريع.

وأحجمت سلطات مطار الكفرة عن التعليق.

وأظهر مقطع فيديو غير مؤرخ، نشره موقع (لا سيا فاسيا) الكولومبي في الثالث من أغسطس 2025 ضمن تقرير عن المرتزقة الكولومبيين العاملين في السودان، أن الطائرة نفسها سافرت مرة واحدة على الأقل إلى نيالا.

ويُظهر الفيديو طائرة بوينج 727 بنفس البدن الأبيض والذيل الرمادي تهبط في مطار نيالا. وتحققت رويترز من الفيديو وأكدت أنه صُوّر في نيالا بعد يوم 10 يونيو 2025.

وقال مونرو إن الادعاءات بهبوط الطائرات في الكفرة ونيالا “غير صحيحة على حد علمنا”.

وهناك طائرة أخرى بوينج 727 جاءت من البرازيل وانتهى بها المطاف في القسم العسكري بمطار نجامينا، وقامت أيضا برحلات إلى الكفرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى