رأي

◦ هامشيات السودان المتعددة عند  علي المزروعي.

◦الدكتور الخضر هارون

◦ أبدي المثقفون السودانيون حفاوة بالغة بمحاضرة للمفكر الكيني المسلم علي مزروعي ألقاها في الخرطوم ستينيات القرن العشرين بعنوان : هامشية السودان المتعددة. The Multiple Marginality of the Sudan

◦ولم تكن شنشنة الهامش والمركز قد أصبحت مادة للتمرد علي الدولة والسعي لتفكيكها وربما القضاء المبرم عليها . ورغم أن الهامش الذي عناه لم يكن للدقة بالمعني السالب، الذي  يعني أن الموصوف به لا قيمة له أو هو  الواقع خارج دائرة الاهتمام  كما قد يتبادر إلي الذهن . لكنه أقحم في جدل المركزية الإفريقية والمركزية العروبية  لاحقاً كأنه كان بإمكان السودان أن يتخير بين النقيضين. روي بعضهم أن الزعيم الغاني كوامي نكروما قال إن السودان كان بإمكانه أن يكون رائدا في أفريقيا إلا إنه اختار أن يكون غفلا بين العرب وذيلاً.

◦واستمات  علي مزروعي شرحا  لعبارة ” متعدد الهوامش ً لمحمولاتها الثقيلة ليقول إن عنوانه برئ من تلك المحمولات وأنه قد يحتمل بعض سلبيات الكلمةً في بعض  تعريفات علم الاجتماع  لكن ليس ذاك مقصده كما قال:

◦ إن مفهومنا للهامشية  ربما   رافقته صلة بمصطلحات علم الاجتماع ( التثاقف المتماثل بين ثقافتين symmetrical acculturation او التماثل الاختلاطي بين عرقين symmetrical miscegenation ). ولكن ليس في نيتنا الإيحاء بأي نوع من الانحراف أو عدم قبول أي جهة بحال للسودان . (فالهامش هامش كل شئ يحمل معني الانحراف عن طبيعة الشي أو نقصا منه وهو سبب التسمية بالهامشية) ،فنحن نستخدم مصطلح الهامشية للدلالة على سمات محددة في السودان تضعه بوضوح في فئة وسطية بين منطقتين متمايزتين من أفريقيا أو في التخوم بين متمايزين . وفي بعض الأحيان، تمنح هذه الوسطية السودان هوية مزدوجة بصفته بلداً أفريقياً من الناحية العرقية وبلداً عربياً من الناحية الثقافية. ولكن المقصود أساساً من فكرة الهامشية التي نعنيها هو ما يضع السودان على حدٍّ فاصل بين عالمين أفريقيين متمايزين ( أفريقيا الشمالية العربية وأفريقيا جنوب الصحراء): حدٌّ يشترك في بعض خصائص المنطقتين فهو

منطقة وسطي in- between

◦ لكني أراه  ( أي كلمة هامشية ) رغم التوضيح استخدام مربك وضبابي يفتقر للوضوح التام  وليته استخدم غيرها.

◦ويستطرد بأن غالبية العرب في إفريقيا وهم منسوبون جغرافيا لعرب شبه الجزيرة العربية ،  فهم يشاكلون وضع السودان باعتبارهم ( آفرو- آسيوين).  بينما يقال للسودانيين ( آفرو – عرب ) هذه الوسطية بين عالمين ويمكن أن تسمي تباينا بين شقه الشمالي والجنوبي فالإسلام واللغة العربية خلقا من شمال السودان  المتعدد  الأعراق والثقافات  بوتقة واحدة منصهرة بحيث أنك كما يقول  تجد سكان البحر الأحمر  الختمية وغربه من الأنصار  والحضور  القبلي  الشاخص في جبال  النوبة  والبجة في الشرق يجمعون علي كونهم يعيشون في وطن واحد هو السودان.   ويعضد قوله بمقتبس للبروفسور يوسف فضل حسن في كتابه ( العرب في السودان )ذلك يجعل هذا الجزء من السودان من أكثر الأقطار تجانسا في أفريقيا  ويجعله قابلا لقيام دولة مطابقة لمعني (الدولة- الأمة ) في معناه الكلاسيكي.( أو قل ذلك ما لمسه مزروعي في ستينيات القرن العشرين وكان قد جاء للندوة عقيب ثورة أكتوبر ١٩٦٤ والبلاد  تعيش نشوة الانتصار وتظلل رباها ديمقراطية حقيقية )يقول إن الثقافة العربية الإسلامية الوافدة قد تثاقفت مع المكون النوبي الزنجي بطريقة متبادلة أبقت علي كسب الثقافة النوبية المتجذرة في فنون الزراعة والتصميم وفي ممارسات اجتماعية عديدة مع سيادة اللغة العربية  والإسلامية   وأسماء النبات العربية  : الطلح ، المرخ ، الطندب ، السلم السنط والسدر  وأسماء الحيوان .   ذاك مثال حي للتثاقف المتكافئ الذي لا غالب فيه ولا مغلوب . وهو ما اعتبره كذلك القس ترمينقهام مفتاحا لمعرفة الثقافة السودانية  وأعتبره بمثابة الكنز  الثمين treasure-house في معرفة الثقافة السودانية وهو الذي بني عليه خطته في تنصير المسلمين في السودان .

◦الهامشية واضحة بينة  في جزئه الجنوبي ساهم المستعمر بقانون المناطق المغلقة من  عدم السماح للتثاقف المتكافئ كالذي حدث في الشمال من الحدوث هنا . وتلك  هامشية تصور كأنها  مواجهة بين الإسلام والمسبحية كما رأي هانتينقتون في صدام الحضارات. يقول المزروعي هو صدام  لم يكن بين الإسلام والمسيحية بل كان بين الحكومة السودانية والإرساليات المسيحية. ( كانت حكومة عبود قد طردت الإرساليات المسيحية الأجنبية  التي ثبت أنها كانت تثير الكراهية بين الجنوب والشمال فقامت حملة شعواء في الإعلام الغربي علي السودان.) يقول أرادت تلك الإرساليات الإبقاء علي التعليم في يدها في بلد نال استقلاله وتريد حكومته أن يكون التعليم  تحت اشراف الوزارة المخصصة للتعليم  وهي وزارة المعارف  فالصدام لم  يكن حربا علي المسيحية . وقد فعلت  يوغندا مثل ذلك  دون أن يثير فعلها لغطا ً. فضلا عن أن تعداد المسيحيين في الجنوب كان جد قليل يقارب تعداد المسلمين فيه. لكن ومع ذلك  فإن الهامشية بين جزئي السودان ،

◦ بين الشمال والجنوب ، جلية في أمور كثيرة وهي أكثر حدة منها في أي مكان في إفريقيا فبينما يبدو الشمال متجانساً تواقاً للديمقراطية والذي يبدو أنه خلال عشرية واحدة سيصبح  قادرا علي بناء دولة قطرية تماثل  ديمقراطيات دول أوروبا  ، تبدو علاقته بجنوبه مغايرة تماماً. ولم ينس الاشارة في أكثر من موضع لدور الاستعمار في ذلك حيث أورد مقالة السير نيوبولد دوقلاس حاكم كردفان ( نحن لا نرغب في جلب التجار الشماليين للجنوب).

◦ثم فند مقولة أن السودان جسر تواصل بين إفريقيا السوداء وأفريقيا العربية والعالم العربي قائلا إن الأوائل لا يتوسلون في التواصل بالعرب بالسودان فإنهم يسعون إليه مباشرة.

◦أشار كذلك إلي هامشيات أخري تميز السودان مثل الهامشية اللغوية. يقول إنها تتبدي في رسوخ العربية فيه بينما الانقليزية حصرية في الانتليجنسيا السودانية. يقول مثلا إن جامعة ماكريري في يوغندا تعقد دورات بالانقليزية في الدبلوماسية يغشاها السودانيون كما يفعل المتحدثون بالانقليزية . لكن السودانيين تفردوا بأنهم  كانوا الوحيدين في تلك الدورات ممن يتحدثون الانقليزية كلغة ثانية بينما لا ينطبق ذلك علي من يأتون من المستعمرات البريطانية السابقة.  الانقليزية في السودان ليست كالفرنسية في بلاد المغرب العربي حيث قطاع أوسع من السكان يحسن الفرنسية إلي جانب العربية  . كذلك يري هامشية أخري  في سؤال أي الجزئين أكثر تأثيرا في الثقافة السودانيك  Sudani Civilization ( أي السائدة في الساحل الأفريقي الممتد شرقا من البحر الأحمر وحتي سواحل الأطلسي في غرب القارة )   هل   انداحت تلك الثقافة من ضفاف النيل في السودان شرقا إلي غرب القارة غرباً  أم العكس ؟ويشير هنا إلي ورقة صبوري بياكوبي ومحمد الحاج  حيث ساقا تأثير  المجاهد النيجيري الفلاني عثمان دانفوديو علي السودان كدليل  علي العكس حيث ذكرا أنه كان قد  تنبأ بقيام الثورة المهدية في السودان قبل خمسين سنة من قيامها وأرسل بعض اتباعه الي السودان انتظارا لها  .ذكرا ذلك  للقول بدور غرب افريقيا  الأكبر في نشر الإسلام وتأثيره الثقافي  علي شرقها في السودان .  لم يتبني  المزروعي موقفا إزاء ذلك  بل  رأي أن الأمر شائك قابل للنقاش ولكنه اعتبر  أن السودان يقع بين طرفين :  شرق أفريقيا وغربها  وبذلك  يعد وقوعه  في تخوم وهامشية بين طرفين .فهل المبتدأ في هذا الأثر الثقافي في نيجريا أم في السودان؟ فالشمس تشرق علي ضفاف البحر الأحمر وتغرب علي سواحل الأطلسي في السنغال. هذه وسطية ( هامشية ) أخري يتفرد بها السودان .

◦وقد نال العسكر والمدنيون الذين ثاروا علي حكمه في أكتوبر ١٩٦٤ ،  إشادة المزروعي فالعسكر لم يفعلوا كما قال ،  فعل العسكر في افريقيا والشرق الأوسط  باكتساب صفة الوطنية بإسالة دماء المدنيين في شوارع الخرطوم  بل انحازوا لرغبتهم في العودة إلي الديمقراطية البرلمانية. ذلك لم ينل من بطولات المدنيين في توقهم المتكرر للحرية  والحكم الديمقراطي.

تري هل هذه التقاطعات في جغرافية السودان وتاريخ شعبه،  هي سبب إرباك الآخرين في فهمه وبالتالي التعامل معه؟ قال صاحبي الأمريكي الذي رأي هذا الإرباك: كيف تكتب الاستخبارات المركزية الأمريكية أن غانا هي أول دولة إفريقية جنوب الصحراء تنال استقلالها في ١٥ مارس ١٩٥٧ بينما السودان قد فعل ذلك في ١/١/ ١٩٥٦ أي قبل غانا بأكثر من عام. وقالت ألبي بي سي نفس القالة وهي التي استعمرت دولتها العظمي السودان ٥٨ عاماً ! كيف؟!  هل تعدد التخوم والتقاطعات جريمة تغري بالسعي لإزالة هذا السودان من خارطة العالم  ؟ وهل هو البلد الوحيد الذي يعيَر بتاريخ استقلاله المجيد ، دولة ٥٦؟ وهل .. وهل.. لعل الأمر غير ذلك ولعله سبب صموده وتميزه بين الأنام  وهو يقف شامخا في وجه عدوان تواطأ عليه الجميع إلا من أصوات قليلة وعلي استحياء. عضوا عليه بالنواجذ يا حفدة رماة الحدق وعين الله ترعاكم فأنتم رغم  الخيانات والعقوق  بعض خير الإنسانية بحاجة إليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى