بقلم: د. خالد محمد فرح
Khaldoon90@hotmail.com
انتقل إلى رحاب ربٍ كريمٍ غفور في صباح يوم التروية، الثامن من ذي الحجة 1447 للهجرة النبوية الشريفة، الموافق 26 مايو 2026م، الفنان الكبير، بل البلبل الصداح، الأستاذ مجذوب أونسة، آنسه الله بمجاورة الصالحين الأخيار في جنات النعيم.
يعود المرحوم الفنان مجذوب أونسة من حيث موطنه داخل السودان، إلى بلدة ” نقزو ” القريبة من مدينة بربر بولاية نهر النيل، تلك التي خلدتها أغنية ” الربوع ” التي يقول مطلعها:
متين يا الله نتمنى
يكون في نقزو مسكنّا
ويعود مجذوب من حيث خلفيته الاجتماعية، إلى عشيرة ” الأشراف الخُفّاب “، وفقاً لما سمعت ذلك من الفريق الدكتور عمر قدور، في كلمته الضافية التي أبّنه بها في مجلس العزاء الذي أقيم حزناً على رحيله، ببيت السودان بحي السيدة زينب بالقاهرة، بعد مُضيّ أسبوع واحد على وفاته.
والحق أنني كنتُ قبل أن أطّلع على هذه المعلومة الخاصة بالانتماء الإثني للمرحوم الفنان مجذوب أونسة، أحسب أن له علاقة بالأونساب سلاطين الفونج الأقدمين، وذلك بقرينة اللقب ” أونسة ” الذي هو من الأسماء التي توشك أن تكون وقفاً حصريا على الفونج، مثل عمارة وعدلان وبادى الخ.
ظهر المطرب الراحل مجذوب أونسة على الساحة الفنية رسمياً من خلال موجات الإذاعة السودانية، في حوالي عام 1977 / 1978م، ونحن في السنة الثانية بخورطقت الثانوية على ما أذكر. برز بقوة بأغنية ” ما سلامك ” من كلمات الشاعر عزمي أحمد خليل، التي كانت فتحاً جديداً في الكلمات واللحن والأداء ، فكانت أغنية الموسم بامتياز، وصار الجميع يرددونها ويتغنون بها في طرب وانتشاء.
ده ما سلامك ! استهلال بديع ومدهش، ومفعم بكثافة تعبيرية مذهلة، فضلاً عن أنه يمتاح من معين البلاغة السودانية الثر. فهذه العبارة لا تدل على مجرد النفي والسلام، وإنما تمضي بالأحرى، إلى ملامسة آفاق اللوم والعتاب اللطيف . فكأن معناها الحقيقي هو أنْ ليس هذا هو السلام الذي عودتنا إياه، فهل تغيرت أنت أيها الحبيب ! صحي اتغيرت إنت خلاص ؟! أو كما غنى المغني الآخر !.
ورسخت العبارة في أذهان المستمعين ، وسارت بها الركبان في ذلك الزمان، حتى أن الشاعر الحلمنتيشي الباقعة، الدكتور أحمد الامين عبد الرحمن الذي كان يلقب ب ” المتجهجه الأممي رحمه الله ، ” قد نسج قصيدة حلمنتيشبة كاملة على منوالها، جاء فيها قوله:
ما حزامك .. ولا القميص اللابسو بى أكمام طويلة
راح يطوّل من مقامك … الخ
ظهر مجذوب أونسة وظهر معه في ذات الأوان، الفنان محمد سلاّم بأغنيته ” قام اتعزز الليمون ” التي وجدت رواجاً وشعبية كبيرة هي الأخرى. ولكن محمد سلام اغترب طويلاً خارج السودان وانزوى نوعاً ما، وخبا نشاطه الفني إلى حدٍ كبير ، إلى أن اختاره المولى إلى جواره قبل بضعة أعوام، بينما استمرّ مجذوب أونسة ماضياً في طريق الغناء المعجب والرصين بخطى ثابتة، حتى غدا في مصاف كبار الفنانين، بفضل ما توفرت له من موهبة عظيمة في التلحين والأداء، والاختيار الموفق للنصوص الجيدة، خصوصاً تلك التي جادت بها قريحة شقيقه الشاعر المهندس حسين أونسة، التي من بينها على سبيل المثال: أغنية ” صياد النجوم ” ذات إيقاع العرضة الحماسي الطروب. ومنها قوله الذي أطلقه مثلاً شروداً: ” أغرب حاجة حسّادك أجاويدك ! “. وما أصدق هذا المثل على حال السودان في كثير من الأحيان، ولكن تلك قصةٌ أخرى.
أما رائعته الوطنية ” عزيزٌ أنت يا وطني برغم قساوة المحنِ “، فقد أضحت بحق، أيقونة باذخة التألق والحضور من بين درر الغناء الوطني الخالد في السودان، مما جعلها محفورة بأحرف من نور، في سجل إرث العزة والكرامة الوطنية إلى آخر الدهر بإذن الله.
رحم الله الفنان الكبير الأستاذ مجذوب أونسة رحمة واسعة، وغفر له ، وخلفه خيراً في عقبه، وأحسن عزاءهم وعزاء زملائه وأصدقائه، وجميع معجبي فنه الرفيع.