رأي

من يهرب الذهب ومن يحمي المهربين؟!(٣/٣)

 فيما أرى
عادل الباز

مقدمة

أخيرًا التفت السيد رئيس الوزراء إلى قضية تهريب الذهب، وهو خبر سعيد. جاء في الأنباء أن رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس عقد أول أمس السبت اجتماعًا موسعًا ضم عددًا من الوزراء وممثلين عن الأجهزة الشرطية والأمنية؛ لمناقشة التحديات المرتبطة بتنظيم قطاع التعدين، وقضايا تهريب الذهب والمخدرات.

قبل التعليق على ما جاء في الخبر، أود أن أشيد بهذا الربط بين تهريب الذهب والمخدرات؛ إذ إن جزءًا من أموال الذهب المهرَّب تعود إلينا في شكل أطنان من المخدرات، وإن أسواق المخدرات هي ذاتها أسواق الذهب، أو على الأقل فإن السوق الرئيس للمخدرات في السودان الآن يقع داخل أسواق الذهب؛ حيث يتوفر «الكاش» بكثرة (ونعمل الآن على تحقيق سيكشف الكثير والكثير المثير عن أسواق المخدرات داخل أسواق الذهب).

كان ينبغي على رئيس الوزراء قبل أن يستدعي الأجهزة الأمنية أن يدرس جديًّا التحديات التي تواجه قطاع التعدين، فهي ليست تحديات أمنية في طبيعتها، بل تحديات تتعلق بالتنظيم والسياسات وسوء الإدارة والفساد، ثم يأتي بعد ذلك دور الأجهزة الأمنية والقانون.

أرجو أن يتبنى رئيس الوزراء دعوتنا لقيام مجلس وطني موحد تُصاغ فيه كل القرارات المتعلقة بالذهب، ويضم وزارات المعادن والمالية وبنك السودان والجهات الأمنية والقانونية، على غرار مجلس غانا (Ghana Gold Board)، وتجارب تنزانيا والهند (Cashew Board). كلها تجارب ناجحة ساعدت على تنظيم قطاع الذهب في تلك الدول.

مجلس واحد بدلاً من أن تعمل كل الأجهزة ذات الصلة في وادٍ مختلف، فتنتج سياسات متضاربة تناقض بعضها بعضًا. ولضمان فاعليته وتجنب البيروقراطية، يجب منحه سلطات تنفيذية مستقلة مع تبعية مباشرة لرئاسة مجلس الوزراء.

1

في الحلقة الأولى عرفنا من يهرب الذهب: إنه الحكومة ذاتها، وهي أيضًا من توفر للمهربين الحماية. وفي الحلقة الثانية استعرضنا السياسات المتناقضة والمتضاربة التي تصدرها الحكومة، والمرتبطة بتغيرات المناصب. كشفت هذه التغيرات المستمرة غياب أي استراتيجية تحكم هذا القطاع.

لحل المعضلة الأولى: على الحكومة أن تمتنع هي وشركاتها عن تهريب الذهب.
ولحل المشكلة الثانية: نطالب بوضع استراتيجية موحدة لإدارة القطاع، وإنشاء مجلس وطني موحد تُوضع فيه السياسات وتُتخذ فيه القرارات.
وذلك كله من أجل وقف هدر مليارات الدولارات سنويًّا (8.5 مليار دولار).

2

لماذا الذهب؟ أرقام صادمة عن واقع الاقتصاد

الذهب هو شريان الحياة للاقتصاد السوداني، ولا مقارنة بينه وبين باقي الموارد في صادراتنا. وفقًا لموجز التجارة الخارجية لبنك السودان 2025:

  • إجمالي الصادرات: 2.64 مليار دولار

  • صادرات الذهب الرسمية: 1.536 مليار دولار (58.2% من إجمالي الصادرات)

  • إنتاج الذهب المُعلَن (2025): 70 طنًّا

  • الصادر الرسمي: 14.7 طنًّا فقط

  • الكمية المهدرة (مُقدَّرة): حوالي 55.3 طنًّا

  • قيمة الهدر السنوية: 8.5 مليار دولار

تصوروا أن ثروة مهدرة من الذهب تعادل ثلاثة أضعاف إجمالي صادرات البلاد كلها… ومع ذلك لا نزال نمد أيدينا صباح مساء نشحذ 50 إلى 100 مليون دولار من القريب والبعيد، أعطوها أو منعوها!

3

خارطة طريق: كيف نحقق الفائض؟

ماذا يعني استعادة 8.5 مليار دولار لخزينة الدولة؟
يعني تحقيق فائض حقيقي في الميزان التجاري.

فالعجز الحالي: واردات السودان نحو 6.5 مليار دولار، مقابل صادرات بـ 2.64 مليار دولار، أي عجز يبلغ 3.86 مليار دولار.

أما إذا سيطرنا على التهريب، فسننتقل من عجز قدره 3.86 مليار دولار إلى فائض قدره 4.64 مليار دولار. هذا الفارق الجوهري يوضح حجم التأثير الذي يمكن أن يحدثه ضبط قطاع الذهب على الاقتصاد القومي.

4

ماذا سيحدث في الاقتصاد إذا حققنا هذا الفائض؟

تحقيق فائض بقيمة 4.64 مليار دولار يعني تحولًا هيكليًّا للاقتصاد، أبرز نتائجه:

  • استقرار سعر الصرف: زيادة عرض النقد الأجنبي ستدعم الجنيه السوداني وتقلص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي.

  • كبح التضخم: استقرار العملة سيخفض «التضخم المستورد» ويقلل تكلفة استيراد السلع الاستراتيجية (دواء، وقود، غذاء).

  • السيادة المالية: تمكين بنك السودان من بناء احتياطيات نقدية قوية تُغني الدولة عن الاستدانة أو انتظار المنح.

  • الانتقال للتنمية: تحويل الفائض من تغطية «الأزمات اليومية» إلى تمويل مشاريع تنمية استراتيجية (بنية تحتية، زراعة، وغيرها).

5

هل هناك أولوية أعلى لمجلس السيادة أو للحكومة، وبالأخص رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس، من إصلاح الاقتصاد القومي؟

إن ضبط شريان الذهب — بإنهاء التهريب، ووضع استراتيجية واضحة، وسياسات محكمة، وتأسيس مجلس وطني للمعادن — ليس ترفًا اقتصاديًّا، بل ضرورة وجودية.

فلا يمكن كسب الحرب إذا خسرنا معركة الاقتصاد. ليس هناك دولة في التاريخ انتصرت عسكريًّا واقتصادها منهار.

الوقت ينفد، والفرصة ما زالت سانحة… فهل نغتنمها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى