رأي

قراءة في الفجوة بين الأصل العربي وترجمة موسم الهجرة إلى الشمال

خالد محمد أحمد

‏(1)

ما بين نصٍّ عربي لم يستقرَّ على صيغةٍ واحدة ومُترجمٍ عظيم الخبرة والاختيار، تقف ترجمة رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح إلى الإنجليزية أمام تساؤلٍ يتعلَّق بتحديد النصِّ الأصلي الذي استندَت إليه.

هل نقل دينيس جونسون-ديفيز نصًّا مُطابقًا لما بين أيدينا اليوم، أم تعامل مع نُسخةٍ أو نُسخٍ مغايرة؟ أم أنه مارَس قدرًا من التدخُّل يتجاوز النقل إلى إعادة التشكيل؟

تنبع هذه الأسئلة من رصد طائفةٍ من الملاحظات النصيَّة، التي تكشف عن تبايناتٍ بين طبعتَي دار العودة (بيروت) ودار العين للنشر، والترجمة الإنجليزية الصادرة عن دار (Heinemann).

تتسق هذه الملاحظات مع ما أورده جونسون-ديفيز من أن الترجمة كانت تٌنجَز بالتوازي مع كتابة الرواية؛ إذْ كان الطيب صالح يُسلِّمه الفصول تباعًا فور الفراغ منها، فيشرع في ترجمتها قبل اكتمال النصِّ العربي بصيغته النهائية.

ومن المهم ضمن هذا الطرح التمييز بين مسألتيْن، وهما سهولة الترجمة، وكفاءة الترجمة؛ فمن المفروغ منه في دراسات الترجمة أن النقل إلى اللغة الأم أيسرُ من الترجمة منها إلى لغةٍ أجنبية؛ إذْ يكون المترجم أقدر على استحضار المعاني والصيغ والأساليب الطبيعية في لغته الأم بحُكم رسوخها في ملكَته اللغوية واتساع ذخيرته التعبيرية فيها. ولذلك، نادرًا ما يُفضَّل المترجم الأجنبي على المترجم الذي يترجم إلى لغته الأم حتى مع امتلاكهما قدرًا متقاربًا من المعرفة اللغوية، وخاصةً في الترجمة الأدبية.

وإذا أخذنا رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) مثالًا، فمن المستبعد أن يتمكَّن مترجمٌ عربي مهما بلغت براعته في الإنجليزية من مجاراة مترجمٍ إنجليزي اللسان مثل جونسون-ديفيز في إنتاج نصٍّ إنجليزي يمتلك الدرجة نفسها من السلاسة والطبيعية الأسلوبية. ولا يعني ذلك أن جونسون-ديفيز لم يواجه صعوباتٍ في فهم بعض التعابير المشبَّعة بالخصوصيَّة السودانية، بل الأرجح أنه احتاج في بعض المواضع إلى الاستيضاح من الكاتب أو من الناطقين بالعربية والسودانية الدارجة. لا غرو، فمواجهة الصعوبات التأويلية والأسلوبية جزءٌ أصيل من عملية الترجمة، بل إن خبرة المترجم تتراكم أساسًا من خلال التعامل مع هذه الإشكالات وتذليلها تدريجيًا. غير أن نجاحه تمثَّل في قدرته على إعادة إنتاج النصِّ بروحٍ إنجليزية طبيعية بعد استجلاء المعنى المقصود.

انطلاقًا من ذلك، فإن جودة الترجمة لا تتوقَّف على إحكام الصياغة وخلوِّ النصِّ من العيوب اللغوية فحسب، بل تقوم كذلك على دقَّة فهم المقصود في النصِّ الأصلي؛ فإذا استوعب المترجم المعنى على وجهه الصحيح، أمكنه نقله إلى لغته الأم بلغةٍ سلسة وطبيعية، وخاصةً في ترجمة المواقف والتعبيرات السياقية (situational language). أمَّا الترجمة من اللغة الأم إلى لغةٍ أجنبية، فغالبًا ما تواجه عائق التفكير ببنية اللغة الأم وأنماطها التعبيرية مهما بلغ المترجم من إتقان اللغة الأجنبية. وحتى لدى ثنائيي اللغة أو متعدِّديها، يظلُّ التفاوت قائمًا في درجات التمكُّن التعبيري بين اللغات المختلفة، ويظهر ذلك بوضوحٍ في الترجمة التحريرية على وجه الخصوص.

من حيث التقييم العام، تبدو ترجمة الرواية متينةً في مجملها، إذْ جمع جونسون-ديفيز بين رصانة اللغة الإنجليزية وإلمامٍ مُعتبَر بالواقع السوداني؛ لكن هذا الإتقان لا يحجب سلسلةً من الفروق التي تتجاوز حدود الاجتهاد الأسلوبي إلى ما يُثير تساؤلاتٍ بشأن طبيعة النصِّ المصدَر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى