رأي

يا حليلو… حنينٌ مسكوبٌ على أعتاب الذاكرة.

فيما أرى

عادل الباز

مقدمة :

أقبلَ العيدُ ولكن ليسَ في الناسِ المسرّة
 واختفى الصوتُ الذي كانَ يُغنّي للحياةْ
 وغدتْ أعيادُنا أشباحَ ذكرى عابرةْ في عيونِ الناسِ حزنٌ، وفي الأرواحِ حسرة
إيليا أبوماضي
1
كلما يممتُ وجهي شطر مرقد أمي، نفيسة بنت الشيخ الريح، وقفتُ متأمّلًا هؤلاء الضيوف الجدد الذين يحلّون بفضاء مقابر “بري” يوميًا بلا انقطاع. كانت تساؤلاتي تغزو عقلي: من هذا الذي غدا جارًا لأمي؟ وكنت أخشى، بفيض حنوّ الابن، أن يُسجّى بجانبها جارٌ فظّ يقلق سكينتها وهي التي عشقت الأنس، ونثرت الضحك، وكانت حفيّة بجيرانها، تفيض عليهم بمحبة خالصة في زمن وجيز، حتى كنت أعجب كيف تأتلف روحها مع أرواحهم، وتتعرّف بهم بسرعة مذهلة، كأنما جمعتهم وشائج قديمة ومودّة ضاربة في عمق الزمن.
2
مقابر “بري” ليست مجرد أرضٍ موات، بل هي حيٌّ آخر يجمع بين الأحياء والأموات في سكينة لا تعرف الضغينة. هنا يلتقي الابن بأمه، ويلتقي الخصم بصديقه القديم وكل المحبين باحبتهم.
ذات يوم، عدتُ من غربتي، فتوجهتُ كعادتي مهرولًا إلى مقابر “بري”، حيث ترقد “بنت الشيخ” في سلامها المعهود. على غير عادتي، غلبتني دمعة حارة. كنت دومًا أزورها مبتسمًا؛ تستحضر ذاكرتي أحاديثها العذبة، ودعاباتها الرقيقة، وعتابها المحبّ حين أتأخر عنها بسبب السهر، بفعل مهنة النكد التي أصابتني لعنتها باكرًا. كنت أنحني على رأسها لأقبّله استرضاءً، ثم أدسّ شيئًا تحت مخدتها، فتنفجر ضاحكة بكلمتها الأثيرة: «يا ممسوخ!»، قبل أن تشرع في سرد حكاياتها التي لا تُملّ.
في ذلك اليوم، يوم عودتي وزيارتي لها، طفرت مني دمعة لأول مرة، لكنها سرعان ما توارت خلف دعواتي لها بالرحمة. ثم عادت الابتسامة لتضيء وجهي حين رأيت بتلات الزهور التي زرعتها أختي نوال تغطي شاهد قبرها بجمال أخّاذ. وبعد أن أفضيتُ إليها بأخبار السناهير وآل الباز والجيران، طفتُ بين القبور المجاورة أتأمل القادمين الجدد.
3
وأنا في حالتي تلك، استرعى انتباهي نحيبٌ مُرّ لرجل يبكي بحرقة (وينخج) أمام سياج قبر حديث، يكرر بصوت متهدّج: «يا حليلو…». وقفتُ أرقب حزنه الذي بدا كأنه يغسل روحه بالدموع. استغفر الرجل ورفع كفّيه بالفاتحة، فشاركته الدعاء، ثم مسح دموعه بطرف عمامته ومضى مقهورًا بحزنه، وهو يتمتم: «يا حليلو».
دنوتُ من ذلك السياج لأعرف من هو جار أمي الجديد، فقرأتُ على الشاهد: «هنا يرقد المرحوم حسن عبد الله الترابي». يا إلهي! أهذه هي المحطة الأخيرة لتلك الرحلة العاصفة والحياة الضاجة بالصراعات؟ أهذا مثوى الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس نصف قرن؟ كفنٌ من طرف السوق، وشبرٌ في مقابر بري!
وقفتُ طويلًا أمام الشاهد، أنظر إلى اسميهما المتجاورين: نفيسة بنت الشيخ الريح… وحسن عبد الله الترابي. تعجّبتُ من ذلك السياج الحديدي الذي لم يرقَ لي. “الشيخ” الذي عشق الحرية، وأنفق آلاف الليالي من عمره في سجون أغلب الأنظمة التي عاصرها، وحتى النظام الذي كان عرّابه؛ “الشيخ” لا يليق به أن يُسجن قبره خلف قضبان. وقد كتبتُ يومها مطالبًا بفك أسر روحه من ضيق ذلك السياج.
اتكأتُ على السياج وأطلقتُ العنان لخيالي، فطافت بي حكايات خمسين عامًا عاصرنا فيها “الشيخ”، وثمانين عامًا رفد فيها الحياة بالأفكار، ومواجهة شتى التحديات بلا رهبة، حتى توقف قلبه وهو في قمة عطائه، على رأس عمله.
يا حليلو.
استعدتُ من ذاكرتي مصادفة غريبة: أمي لم تكن تعبأ بالسياسة، لكنها كانت تكنّ إعجابًا غريبًا بالترابي. كلما أطلّ عبر الشاشة، تسمرت أمامه بابتسامة وادعة، رغم أنها لا تفهم من حديثه شيئًا. طريقته وابتسامته كانتا تأسرانها بشكل مدهش. ومن العجائب أن الترابي، الذي لم يسبق له أن شاركني عزاءً، كان أول الواصلين إلى خيمة عزاء أمي (بت الشيخ) فور رحيلها. جاء وجلس بهدوء، لا يتكلم كثيرًا، لكنه كان حاضرًا بقوة، والناس حوله متحلقون كالعادة.
مكث طويلًا، كأنما سرى إليه طيفٌ من محبتها الصادقة، فردّ الجميل بوفاء، وكأنه يعرف أن جارته في مرقده الأخير أحبته بقلبها النقي دون أن تعرفه. في ذلك اليوم، شعرتُ أن محبة غمار الناس للترابي كانت أصدق وأعمق مما نتصور نحن المثقفين.
يا حليلو.
منذ ذلك اليوم — يوم الزيارة الذي جمع بين مرقد أمي ومثوى الترابي — غدت «يا حليلو» لازمة لا تفارق لساني كلما مرّ ذكره، وكأن هذا التلاقي العجيب بين البساطة والتعقيد، وبين الهدوء والعاصفة، قد فجّر في داخلي تساؤلًا ملحًا عن كنه هذه الكلمة؛ فهي، في السياق السوداني، ليست مجرد زفرة حسرة، بل تعبير عن وجدٍ عميق لفراق حبيب أو قريب، وهو ما دفعني للغوص في مدلولاتها اللغوية والثقافية.
بحثتُ في القواميس والمعاجم، من «المعاني» إلى مؤلفات عون الشريف قاسم، إلى “جذاذات وقذاذات” لعمر شاع الدين، لأدرك أبعاد هذا المصطلح الفريد. بدأتُ بالجذر اللغوي: «ح ل ل»، الذي يمتد ليشمل الحلول والإباحة والنزول والارتباط. وفي المعاجم، «الحليل» هو الزوج، و«الحليلة» الزوجة، لما بينهما من حلال وملازمة.
لكن في التربة السودانية، تحولت «يا حليلو» إلى تعبير وجداني مستقل، فارق المعنى الحرفي ليستقر في حالة وجدانية من الحنين ،كلمة تختزل الحب والرحمة والامتنان والأسى الجميل؛ نبض الغناء والمراثي التي يصعب ترجمتها دون أن تفقد روحها السودانية الخالصة.
تجلّى ذلك في عيون الأدب والغناء، فمن إبراهيم العبادي الذي تغنّى بـ «حليل زمن الصبا»، إلى قصيدة «إلى مسافرة» لعثمان خالد التي تنسج بوجدانها لحنًا آسِرًا:
حليلو قال سايب البلد
يا حليلو كيفن يبتعد
كيفن نسيبو يروح بعيد
في رحلة مجهولة الأمد
كما تتجسد في التفاتة الوفاء العميقة التي صاغها مهدي فرح في حنينه الصادق: «يا حليلكم… حليلِك إنتِ براك، كيف نذكرك ما دمنا ما بننساك». ولم تقتصر الكلمة على التحسّر لرحيل الأحباب، بل امتدت لتشمل الحنين إلى الأماكن والذكريات، كما في نداء سليمان عبد الجليل الحزين: «حليل أرض الجزاير» في أغنية «الطير الخداري»، أو نداء إسحق الحلنقي الدافئ: «يا حليل كسلا الوريفة الشاربة من الطيبة ديمة». وهي تختزل المسافات بين الراحلين؛ نجد العاقب محمد الحسن يصدح بها في رقة: «يا حليلك يا أسمر».
5
«يا حليلو» ليست مجرد كلمة؛ إنها مدرسة شعورية كاملة تختزل الحب والامتنان والأسى الجميل. هي نبض الغناء والمراثي، وهي الطريقة السودانية الخالصة في تخليد الجمال بعد رحيله، كما خُلّد في وجداننا سكون نفيسة بنت الشيخ الريح، وصخب حياة حسن عبد الله الترابي: “ياحليلم دوام بطراهم.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى