رأي

الدولة الرائدة

فؤاد قباني

عندما تنهض الدولة من عثرات ودمار اقتصادي، يجب ألّا تترك الحبل على الغارب، وألّا تترك التنمية للصدف أو للقطاع الخاص يوجهها حيث يشاء. فقد ينجم عن ذلك التكرار والتقليد المضر، الذي يقع فيه كثير من محدودي الفهم والبصيرة. لذلك وجب على الدولة أن تقود التنمية بناءً على خطة واستراتيجية مدروسة الخطى وواضحة المعالم.

أشعر بارتياح وأنا أتابع ما تقوم به وزارة الثروة الحيوانية من إبداع وتفكير رشيد. نعم، السودان من أكبر الدول التي تمتلك ثروة حيوانية بتنوع فريد من الجمال والأبقار والخراف والماعز، ولكن لماذا لم نستفد من هذا التميز في السابق؟ وحتى المشروعات التي قامت في الماضي لم تنجح.

لقد أنشأ السودان مصنع الألبان في بابنوسة بدعم روسي، وكان يمكن أن ينجح لو كان العمل مدروساً، إذ كان يجب أولًا تحسين سلالات الأبقار، لأنها قليلة الإنتاج للألبان وينهكها الترحال. وثانيا، فإن طبيعة السكان واعتمادهم على الرعي الطبيعي وقلة موارد المياه تحتم عليهم التنقل والترحال، مما يجعل المصنع عاطلًا عن العمل خلال فترة الصيف. ولو خُطط للأمر ورتبت أولوياته جيدًا، لكان النجاح ممكنًا.

كما أن مصنع اللحوم في كوستي كان يمكن أن يُكتب له النجاح لو تم تحسين السلالات وفتح أسواق عالمية، ولكن تظل مشكلة التسويق هي العائق الأكبر لكل مواردنا في الصادر. وحتى الصمغ العربي، الذي ننفرد به كمنتج حصري، نعجز عن تسويقه إلا عبر السماسرة والوسطاء.

إن الحصار المفروض علينا في الأسواق الأوروبية والأمريكية يمكن كسره بالحكمة والسياسة الرشيدة.

لقد نجحت الحركة التعاونية في السودان خلال فترات سابقة، واستطاعت أن تؤسس بنكًا وشركات وحركة فاعلة في التجارة والتوزيع، ولكن أين هي الآن؟ على الدولة أن تعيد إحياءها في ظل غياب رؤوس الأموال، فقد ثبت أن التعاون الفاعل والمنضبط يمكن أن يساعد في كبح جماح السوق، وتوفير السلع الأساسية، وضبط الأسعار.

وتُعد وزارة الاتصالات من الوزارات التي تُسعد الإنسان بإنجازاتها، خاصة في دعم الدولة في مجال الدفع الإلكتروني والشمول المالي.

ولكي ننجح، لا بد أن تلعب الأجهزة الشرطية والعدلية دورها في ضبط الأمور بقوة وحزم، لأن التساهل والمجاملات هي التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه الآن.

السودان خيره كثير، ورزقه وفير، فقط علينا أن نبتعد عن أكل أموال الناس بالباطل، وأن نصدق في القول والعمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى