ثقافة وفنون

الذاكرة السودانية وقت للثقافة في مبادرة اسناد

محمد الشيخ حسين

mohed1618@gmail.com

حكاياتُ البشر كثيرةٌ ومعقدة.
وقد تبدو حياتنا شطرٍ من قصص واشعار وحكايات تبث فينا الصمود وتشعرنا بمرارة الفقد ولوعة الحرمان. هذا ما رسخ في ذهني حين شاركت في هذه الجلسة التي تنساب تفاصيلها هنا.
(1)
كانت قاعة منظمة اسناد في مدينة نصر شرقي القاهرة تضج بالحياة والحيوية حين خصصت وقتا للثقافة يأتي مرة في الشهر في إطار عمل مبادرة إسناد لدعم السودانيين المتأثرين بالحرب. وفي جلسة المنتدى الثقافي لشهر ابريل الجاري احتفت بكتاب جديد بعنوان (من المسافة صفر .. مشاهد حية من أهوال حرب 2023م لمؤلفته د. سلوى حسن صديق.
(2)
ترأس جلسة المنتدى الاستاذ صلاح عمر الشيخ ببطاقة ثلاثية الابعاد فهو رئيس اللجنة الاعلامية في مبادرة اسناد في البعد الأول. وفي البعد الثاني الامين العام لاتحاد الصحافيين السودانيين. وببعده الثالث كصحافي مخضرم وعريق من (سنة حفرو البحر).
(3)
تجاوزت الجلسة فكرة تدشين كتاب لتصبح دعوة قوية لتوثيق الجرائم الفظيعة التي عاشها شعب السودان جراء الحرب.
وهنا تؤكد الاستاذة اميرة الفاضل رئيس مجلس ادارة جمعية اسناد
والامين العام لمبادرة اسناد السودانيين هذه المعاني وتقول (نحن في إسناد نؤمن أن الثقافة هي الجسر الذي يربطنا بجذورنا).
وتضيف أن (الكتابة هي السلاح الأقوى لتوثيق ما مر به الشعب السوداني من مآسي الحرب الفتي لم تترك باباً سودانياً إلا وطرقته بصور مختلفة).
(3)
حين يكون القتل اسهل من القاء التحية تلك خلاصة كتاب من المسافة صفر. وموضوع الكتاب ان الدكتورة سلوي حسن صديق الاستاذة الجامعية والصحافية والكاتبة والموثقة جمعت كل خبراتها وتجاربها وقدمت عدة قصص واقعية عكست جوانبا مظلمة من حرب السودان.
وهذه القصص تحتاج إلى فنان يصري يمتلك شغفا بتحويل الماسي الإنسانية إلى قصص سينمايية ملهمة.
(4)
الاستطراد السابق مبعثه ان الجهد الذي بذلته الدكتورة سلوى حسن صديق في جمع وتوثيق 31 قصة من انتهاكات صارخة وقعت أثناء الحرب الخبيثة نشرتها في
مقالات تحت عنوان (من المسافة صفر). ثم جمعتها في كتاب من 62 صفحة من القطع المتوسط. وحملت هذه القصص عناوين جاذبة. وجاءت في ثلاث احجام قصة في صفحة واحدة واخرى في صفحة ونصف وثالثة في صفحتين. وهنا تبدو ان المؤلفة مثل من يقسم في تركة على الشيوع حسب النصيب السردي لكل قصة.
وهناك قيمة مضافة للكتاب يكتشف فيها القاريء تأثير تجربة الحياة تحت اصوات الرصاص في قصص (يوم الزينة) و(بلاغ ضد مجهول) و(عود على بدء).
(5)
اجمالا تحمل قصص الكتاب:
– تجربة الحياة تحت القصف والتدوين.
– تصور مشاعر الخوف، والتهجير، والمعاناة في ظل القتل المجاني.
– تصوير مشاهد حقيقية من حياة المواطن اليومية خلال الحرب والنهب والسلب والاغتصاب.
– تسليط الضوء على (الحرائر) والشهداء، والجرائم ضد الإنسانية وتجارب التهجير القسري.
(6)
تاتي هذه القصص في إطار يحكي كيف ان الحياة في الخرطوم تحولت إلى جنون، حيث يصارع السكان مجهولا لا يمكن التعايش معه ولا يعرفون كيف يتعايشون مع خطر ان يكون القتل أسهل من إلقاء التحية.
(7)
خير دليل على الدقة بين صفحات الكتاب وصف كاتب فاتحة الكتاب الاستاذ الدكتور عثمان ابوزيد قوله (ان المؤلفة غمست قلمها في المعاناة الصادمة للشعب السوداني في أثناء هذه الحرب من قتل وسلب ونهب واغتصاب لتضيء زوايا مظلمة من الاهوال تزعزت منها الابدان وتضعضعت منها الاركان).
(8)
عند العودة إلى اجواء حفل التدشين تلحظ أولا ان قاعة منظمة اسناد أنيقة جدا وتكسوها لمسات وقار علها جاءتها من نبل المهمة التي تؤديها مبادرة اسناد لدعم المتاثرين بالحرب.
وتلحظ ثانيا ان الحضور النوعي يمثل اطيافا مختلفة من المجتمعين السوداني والمصري.
وتلحظ ثالثا ان مداخلات الحضور اضافت بعداً آخر ومعني اكبر لهذا المنتدي.
(9)
اجمالا تلحظ أن منظمة اسناد تعتبر أن الثقافة هي الجسر الذي يربطنا بجذورنا. وهذا ما تؤكده (الاميرة اقوالها وافعالها) الاستاذة اميرة الفاضل ان
(الكتابة هي السلاح الأقوى لتوثيق ما مر به الشعب السوداني من مآسي الحرب التي لم تترك باباً سودانياً إلا وطرقته بصور مختلفة).
(10)
حصاد القول عند مبادرة اسناد يتعين علينا ان نرى في الكتابة مقاومةً للزمن، حين نحاول بها تثبيت لحظةٍ أو شعورٍ نخشى عليه من سطوة الدهر.
إلا أن الكتابة ذاتها تخضع لأثر الزمن. فمع كل كلمةٍ تخطها أناملنا، نصارع تاريخ هذه الكلمة في معجم المتحدثين. وحين نضع نقاطنا على الأسطر، فإننا لا نثبت خطاباً أبدياً حتى لو حلمنا بهذا، بل ندع جغرافيا رسومنا ترسم التاريخ.
حفظ الله منظمة اسناد المصرية المنشا والتاسيس والسودانية الهوى والتنفيذ. وهذه قصة لم تكتب بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى