هبة محمود صادق فريد
ينطلق هذا المقال من واقع الأزمة العميقة التي يعيشها السودان، ويجادل بأن أي محاولة لإعادة البناء لا يمكن أن تنجح إذا اقتصرت على إعادة الإعمار المادي أو التسويات السياسية، بل تتطلب مراجعة شاملة تعيد تأسيس الدولة على قاعدة العدالة، و كما بيّنتُ في الجزء اللأول ” فالعدالة ليست نتيجة لاحقة للاستقرار، بل إنها شرط سابق له، إذ لا يمكن بناء سلام دائم في ظل بنية تُكرّس للإقصاء والتفاوت المعرفي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي”.
ويطرح المقال العدالة الاجتماعية بوصفها المدخل الحقيقي لتحقيق السلام والاستقرار، لا باعتبارها نتيجة لاحقة لهما. فالغياب التاريخي للعدالة و المتجذر منذ الإرث الاستعماري والمُعاد إنتاجه عبر الحكومات الوطنية، أسهم في ترسيخ الإقصاء والتفاوت، مما جعل الدولة هشة ومعرّضة لدورات متكررة من النزاع.
خلص الجزء الأول إلى أن العدالة ليست خيارًا سياسيًا، بل شرطًا وجوديًا لبقاء الدولة واستقرارها، وأن غيابها يمثّل جوهر الأزمة السودانية ومحرّكها الأساسي. فرغم تعدد الأسباب المباشرة للصراع وتباين جذور النزاعات المسلحة، ظل غياب العدالة، بمعناها الشامل، هو الوقود الذي يؤجّج هذه الصراعات ويطيل أمدها.
وعليه، وكما أشرتُ سابقًا، فإنه على الرغم من تعدد المحاولات الوطنية الجادة، وحضور مفهوم العدالة في الخطاب السياسي منذ الإستقلال، فإن الانتقال من “العدالة كفكرة” إلى “العدالة كمشروع عملي” يظل التحدي المركزي الذي يواجه المرحلة القادمة. ومن هذا المنطلق، يأتي الجزء الثاني ليركّز على الكيفية العملية لترجمة هذا الإطار النظري إلى سياسات عامة و خطط إستراتيجية وآليات تنفيذية تعيد بناء الدولة على أسس عادلة ومستدامة.
العدالة الاجتماعية بوصفها مفهومًا متعدد الأبعاد:
يؤصل هذا المقال لمفهوم متطور للعدالة الاجتماعية، باعتبارها منظومة قيمية ومؤسسية متكاملة، متجاوزاً بذلك القراءة التقليدية التي تحصرها في مجرد برامج الرعاية أو إعادة توزيع الفوائض الاقتصادية. فهى تمثل “عقداً إجتماعيا جديداً” يهدف إلى إعادة تنظيم الأدوار فى الدولة بين الحكومة والسوق والمجتمع، بما يضمن تكافؤاً حقيقياً في توزيع الثروة والفرص. فالعدالة الاجتماعية لا تتحقق إلا من خلال تفاعل مجموعة من الأبعاد المترابطة. فهي تبدأ ببعدٍ تخطيطي يضع العدالة في صميم السياسات العامة والاستراتيجيات التنموية طويلة ومتوسطة وقصيرة المدى، وتمتد إلى بعدٍ إنساني يناهض كافة أشكال التمييز ويصون الكرامة الإنسانية، مرورًا ببعدٍ إقتصادى يضمن عدالة الوصول إلى الموارد والخدمات الأساسية، و بُعد مؤسسي يهدف إلى بناء مؤسسات أكثر فاعلية وكفاءة، قادرة على ضمان تحويل مؤشرات العدالة الإجتماعية الى واقع معاش، فضلًا عن بعدٍ تنموي يوسّع قدرات الأفراد وفرصهم الاقتصادية والاجتماعية، وصولًا إلى بعدٍ أخلاقي يرتكز على النزاهة و الشفافية والمساءلة وسيادة حكم القانون. و بهذا تتحول العدالة الاجتماعية الى مشروع وطني جامع لا يُختزل في شبكات الأمان أو إعادة توزيع فوائض النمو، بل يقوم على إعادة صياغة شاملة للدولة ومرتكزاتها الأساسية.
نحو سياسة وطنية حاكمة للعدالة الإجتماعية:
و كما ذكرت يتطلب تحقيق العدالة الاجتماعية بصورة مستدامة وجود سياسة وطنية حاكمة تحوّل هذا المفهوم من مجرد نوايا حسنة و شعارات عامة أو تدخلات جزئية، إلى سياسة وطنية مرجعية ملزمة توجه عملية صنع القرار في مختلف القطاعات، بما يعزّز استدامة الإلتزام بمبادئ العدالة الإجتماعية بعيدًا عن تأثير المتغيرات السياسية. لذلك أن تستند هذه السياسة الوطنية إلى مجموعة من المبادئ الأساسية التي تشكّل الإطار الحاكم لتحقيق العدالة الاجتماعية ، منها:
– المساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص.
– احترام التنوع الثقافي والاجتماعي والديني.
– الإنصاف في توزيع الموارد والثروة الوطنية.
– اعتماد التمييز الإيجابي لصالح المناطق والفئات الأكثر تهميشاً.
– تفعيل المشاركة المجتمعية والمساءلة في إدارة الموارد العامة.
نحو سياسات اقتصادية أكثر عدالة:
ويمثل إصلاح السياسة المالية مدخلًا أساسيًا لتحقيق العدالة الاقتصادية وإعادة التوازن التنموي، وذلك من خلال:
– صياغة معادلة عادلة لتوزيع الموارد بما يضمن تقليص الفجوة التنموية بين المركز والأطراف وتحقيق تنمية أكثر توازنًا بين الأقاليم.
– تبنّي نظام ضريبي تصاعدي يحمّل الشرائح الأعلى دخلًا وثروة نصيبًا أكبر من الأعباء الضريبية، مع تخفيف العبء عن الفئات محدودة الدخل.
– إعفاء المشروعات الصغيرة والمتوسطة و مشروعات ريادة الأعمال من الضرائب لفترات معقولة، بما يعزز قدرتها على النمو وخلق فرص العمل.
– إعادة تصميم الحوافز والامتيازات الاستثمارية وفق منظور التنمية المتوازنة، بحيث تحصل الاستثمارات الموجهة للمشروعات القومية أو للمناطق الأقل نموًا على مزايا وحوافز أكبر.
– تقليل الاعتماد على الضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل الفئات الوسطى والفقيرة، مقابل التوسع في الضرائب على الأرباح الرأسمالية والأنشطة الريعية.
– إعادة توجيه الإنفاق العام نحو البرامج و المشروعات التي تسهم بصورة مباشرة في تعزيز مؤشرات العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.
– زيادة الإنفاق على قطاعي التعليم والصحة بنسبة كبيرة وبصورة تتناسب مع متطلبات النمو العادل وتحسين جودة الحياة وتوسيع فرص الوصول إلى الخدمات الأساسية.
– إعادة توجيه السياسات التجارية والاستثمارية بما يخدم أهداف التنمية الوطنية والعدالة الاجتماعية، عبر تعزيز الشفافية في العقود والامتيازات، وتبنّي سياسات «المحتوى المحلي» التي تُلزم الشركات بالمساهمة في تنمية المجتمعات التي تعمل فيها، إلى جانب حماية القطاعات الإنتاجية والناشئة من المنافسة غير العادلة.
وفيما يخص السياسة النقدية، ينبغي أن تستهدف تحقيق توازن بين الحفاظ على الاستقرار النقدي وتحفيز النمو والإنتاج والتشغيل، بما يعزز العدالة الاقتصادية ويحدّ من التفاوت الاجتماعي، وذلك من خلال:
– توجيه السياسات الائتمانية نحو الأنشطة المنتجة بدلًا من المضاربات والأنشطة التجارية غير المنتجة.
– تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في أسعار الصرف بما يحدّ من آثار التضخم على القوة الشرائية.
– ربط السياسات النقدية بأهداف التنمية المتوازنة.
– تعزيز الرقابة على القطاع المصرفي بما يضمن عدالة توزيع التمويل ومنع تركزه في قطاعات أو مناطق أو مجموعات محدودة.
– توسيع التمويل الموجّه للقطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة والصناعة والمشروعات ذات القيمة المضافة العالية.
– دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير أدوات تمويل ميسّرة للفئات ذات الدخل المحدود وللشباب والنساء ورواد الأعمال، عبر تسهيل الوصول إلى التمويل وتخفيض كلفته، بما يعزز فرص التشغيل والتنمية المحلية.
– تعزيز الشمول المالي وتوسيع الخدمات المصرفية للفئات والمناطق المهمّشة، بما يضمن دمجها في النشاط الاقتصادي والرسمي.
العدالة الثقافية والإجتماعية والاعتراف بالتنوع:
لا تكتمل العدالة الاجتماعية دون الاعتراف بالتعدد الثقافي واللغوي والديني والإثني واحترامه بوصفه جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية الجامعة. فالإقصاء الثقافي والرمزي يُعد من أعمق أشكال التهميش، لما ينتجه من شعور بعدم المساواة وضعف الانتماء، وهو ما يجعل العدالة الثقافية عنصرًا أساسيًا في بناء الاستقرار والتماسك المجتمعي. ويتطلب ذلك تبنّي سياسات وإجراءات عملية، من بينها:
– الاعتراف الرسمي بالتعدد الثقافي واللغوي في السياسات العامة والتشريعات.
– تعزيز التمثيل العادل للتنوع الثقافي والاجتماعي في الخطاب الإعلامى والمناهج التعليمية.
– مراجعة المناهج التعليمية بما يعكس تاريخ وثقافات مختلف المكونات الاجتماعية بصورة متوازنة.
– دعم الإنتاج الثقافي والفني المحلي، وتخصيص صناديق تمويل للمبادرات الثقافية في الأقاليم والمناطق الأقل حظًا. مع دعم الصناعات الثقافية والإبداعية بوصفها قطاعًا اقتصاديًا يخلق فرص عمل ويعزز التنمية المحلية.
– مكافحة الصور النمطية وخطابات الكراهية والتمييز عبر التشريعات والسياسات الإعلامية وبرامج التوعية.
– حماية التراث الثقافي والمواقع التاريخية والمعارف التقليدية للمجتمعات المحلية.
– تعزيز العدالة في توزيع المؤسسات والخدمات الثقافية بين المركز والأقاليم.
– بناء هوية وطنية جامعة تقوم على المواطنة المتساوية واحترام التنوع والاعتراف المتبادل.
خاتمة الجزء الثاني:
و إستنادا على ما سبق، لا يمكن اختزال تحقيق العدالة الاجتماعية في برامج دعم محدودة أو تدخلات جزئية، بل يرتبط بصورة مباشرة بطبيعة السياسات العامة التي تتبنّاها الحكومة، وبالكيفية التي تُدار بها الموارد، وتُحدَّد من خلالها الأولويات، وتُوزَّع عبرها الفرص والخدمات بين المواطنين والأقاليم والفئات المختلفة. فالعدالة الاجتماعية ليست نتيجة تلقائية للنمو الاقتصادي، وإنما هي نتاج لخيارات سياسية ومؤسسية واعية، تستهدف الحد من التفاوت وتعزيز الإنصاف والتماسك المجتمعي.
و استكمالًا لما سبق طرحه يتجه الجزء الثالث والأخير من المقال إلى إستعراض وتحليل أبرز الإشكاليات والتحديات الهيكلية التي تحول دون تحقيق انتقال فعلي نحو نموذج أكثر عدالة وشمولًا، بما يسمح بفهم أعمق لطبيعة هذه التحديات وأثرها على مسار السياسات العامة وفرص الإصلاح المستقبلي.