فيما أرى:
عادل الباز
1
قبل أيام، أطلقت الصين مبادرة جديدة تقضي بمنح إعفاء جمركي كامل بنسبة 100% على صادرات الدول الأفريقية المؤهلة، على أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من مايو المقبل وقد وصف سفير السودان لدى الصين، عمر عيسى أحمد، الذي شارك في المنتدى الأفريقي الذي عُقد مؤخراً ببكين، هذه المبادرة بأنها “فرصة تاريخية” للسودان، يمكن أن تحقق مكاسب مباشرة وغير مباشرة، وتساعد في معالجة اختلال الميزان التجاري بين الخرطوم وبكين.كل ما أخشاه أن يمر هذا الخبر مروراً عابراً على الدوائر الحكومية، وعلى أساطين القطاع الخاص، من غير أن يتوقف أحد أمام دلالاته العميقة.
فالقرار الصينى لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد إجراء تجاري عابر، بل يستحق تحليلاً يتجاوز الأرقام المعلنة إلى النوايا الاستراتيجية، والتحديات التنفيذية. ذلك أن ما أعلنته بكين، ويشمل واردات 53 دولة أفريقية، ليس مجرد سياسة تفضيلية موسعة، بل تعبير واضح عن تحوّل في موازين القوى العالمية، وصعود متسارع لفكرة الشراكة بين دول الجنوب.
2
تأتي هذه الخطوة الصينية في سياق يذكّر بقانون النمو والفرص في أفريقيا المعروف بـ AGOA، وهو قانون أمريكي صدر عام 2000، منح الدول الأفريقية المؤهلة امتيازات تجارية للدخول إلى السوق الأمريكية بإعفاءات جمركية أو برسوم منخفضة، وشمل آلاف السلع.
لكن الصين تمضي اليوم أبعد من ذلك، إذ تفتح أكبر سوق استهلاكي في العالم أمام أفريقيا برسوم صفرية كاملة، وفي توقيت بالغ الحساسية يشهد تصاعد التنافس الدولي على القارة السمراء.
ولا يمكن قراءة القرار الصيني بمعزل عن الصراع الدولي على أفريقيا. فبكين تدرك أن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الموارد والأسواق، وأفريقيا تملك الاثنين معاً. لذلك تستخدم الصين أدوات التجارة والاستثمار والإعفاءات الجمركية لبناء نفوذ طويل الأمد، تماماً كما استخدمت القوى الغربية سابقاً المساعدات والقروض والمؤسسات الدولية..
3
تشير البيانات إلى أن حجم التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا بلغ نحو 348 مليار دولار خلال عام 2025، غير أن هذا التبادل ظل مختلاً في بنيته؛ فالصين تصدّر منتجات مصنّعة عالية القيمة، بينما تستورد من أفريقيا المواد الخام والسلع الأولية رخيصة القيمة . ومن هنا تأتي أهمية المبادرة الجديدة، إذ تمنح الدول الأفريقية فرصة نادرة للانتقال من تصدير الخام إلى تصدير المنتجات ذات القيمة المضافة، بما ينسجم مع أجندة أفريقيا 2063، وهي الخطة الاستراتيجية التي اعتمدها الاتحاد الأفريقي لبناء قارة مزدهرة، موحدة، مستقلة، وآمنة.
فالرسوم الصفرية لا تعني فقط تخفيض الكلفة، بل تعني تحسين القدرة التنافسية، وفتح المجال أمام الصناعات الأفريقية للنمو، وتشجيع الاستثمار في سلاسل القيمة المحلية بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الأولية.
4
هناك فرصة واسعة للسودان للاستفادة من مبادرة الجمارك الصفرية. فالسودان يمتلك ميزات نسبية حقيقية في قطاعات الزراعة، والثروة الحيوانية، والتعدين.
في الزراعة، يمكن الدفع بمنتجات مثل السمسم، والفول السوداني، والصمغ العربي، والكركدي، والقطن، والحبوب الزيتية إلى السوق الصينية، وهي سلع تجد طلباً متزايداً هناك في الأسواق الصينية.
وفي قطاع الثروة الحيوانية، يمكن تصدير اللحوم المبردة والمجمدة، والماشية. أما في التعدين، فليس المطلوب فقط تصدير الذهب والنحاس والمعادن الخام، ويمكن أن تساعد الصين في بناء قاعدة صناعية تضيف قيمة مضافة لكل الصادرات السودانية، بما يضاعف العائد الاقتصادي.
لكن المشكلة في السودان ليست نقص الموارد، بل ضعف الإدارة والهمة . فنحن نملك السمسم، والصمغ العربي، والثروة الحيوانية، والذهب، والموانئ، والموقع الجغرافي. ما ينقصنا هو القرار، والانضباط، والدولة التي تعرف كيف تحوّل الموارد إلى صادرات.
5
لكن هذه الفرصة المتاحة الآن لن تتحول إلى واقع تلقائياً. فالإعفاء الجمركي وحده لا يكفي، ما لم تصاحبه جاهزية داخلية حقيقية.
يحتاج السودان أولاً إلى توحيد جهة التصدير عبر غرفة عمليات مشتركة تضم وزارات التجارة والزراعة والمالية والجمارك والقطاع الخاص. ويحتاج ثانياً إلى مواءمة المواصفات السودانية مع المعايير الصينية الصارمة في الجودة، والتعبئة، وبقايا المبيدات، والتتبع.
كما يحتاج إلى بنية لوجستية أكثر كفاءة، تبدأ من بورتسودان، ولا تنتهي عند خطوط الشحن المباشر مع الموانئ الصينية، إلى جانب اتفاقات مباشرة مع المستوردين الصينيين بدلاً من الوسطاء الذين يلتهمون الأرباح.
6
إن الإمكانات الكامنة في هذه المبادرة هائلة؛ فبالنظر إلى أن صادرات السودان إلى الصين في العام 2024 بلغت حوالي 561 مليون دولار، مقابل وارداته من الصين بلغت نحو 833 مليون دولار، فإن انتهاز فرصة الجمارك الصفرية يمكن أن يدفع بقيمة الصادرات لتتجاوز المليار دولار أو أكثر. ومن غير المعقول أن دولة بحجم السودان لا تتجاوز صادراتها إلى الصين نصف مليار دولار، بينما تستطيع بعض القطاعات منفردة، مثل الذهب أو اللحوم أو السمسم، تجاوز هذا الرقم إذا أُديرت بكفاءة.
هذا النمو الهائل ليس مجرد أرقام، بل يمثل شرياناً حيوياً لزيادة حصائل النقد الأجنبي، ودعم استقرار الجنيه السوداني، وتحريك عجلة الزراعة، وخلق وظائف جديدة في قطاعات النقل والتعبئة والخدمات، وتنشيط الموانئ وسلاسل الإمداد.
لكن شبح الغفلة لا يزال يخيم، وإذا ما بقينا على هذه الحال من التراخي، فإن دولاً أفريقية أكثر تنظيماً، مثل إثيوبيا وكينيا وتنزانيا، ستسبقنا حتماً إلى اقتناص الفرصة في السوق، بينما يبقى السودان، على الرغم مما يملكه من موارد هائلة، مجرد متفرج. فإثيوبيا لا تملك ما يملكه السودان من أراضٍ أو ماشية أو مياه، لكنها تتفوق علينا في التنظيم والتخطيط، وكينيا لا تملك ذهب السودان ولا مساحته، لكنها سبقتنا في التصدير والخدمات اللوجستية. والعالم لا يكافئ الأغنى بالموارد، بل الأسرع جاهزية
7.
في نهاية المطاف، فإن الإعفاء الجمركي الصيني ليس هدية مجانية، بل هو اختبار حقيقي للجاهزية. فالذي سيدخل السوق الصينية ويقتنص الفرصة هو من يملك الإنتاج والتنظيم وسرعة القرار. الصين فتحت الباب، لكن أحداً لن يدخلنا السوق على أكتافه. الفرص لا تُهدى، بل تُقتنص. ومن لا يتحرك اليوم سيكتشف غداً أن الآخرين سبقوه، وأن التاريخ لا ينتظر الكسالى.