معتصم أقرع
لا شك في أن ثورة ديسمبر-أبريل حملت أحلام الثوار، شيبة وشبابا، بسودان أفضل وحقوق أوسع وكرامة أوفر (أستعمل ثورة هنا بمعنى انتفاضة).
وأيضا الحقيقة المرة التي لا شك فيها أن الأوضاع ازدادت سوءا بعد سقوط نظام البشير حتى قبل اندلاع الحرب، بالذات على المستوى الاقتصادي والتي بلغت هزليتها في تكوين لجنة اقتصادية عليا بقيادة حميدتي لم يبلغ درجة فاقد تربوي والطبيبة مريم الصادق المهدي التي ربما تقاصرت معرفتها بعلم الاقتصاد عن معرفتي بجراحة المسالك البولية التي لا أعرف عنها غير حيي وووب.
الحقيقة الماثلة هي أنه بعد سقوط نظام البشير دخلت البلاد في حرب ضروس أكلت الأخضر واليابس وشردت الملايين وأفقرت الجميع. ولأنه لا يمكن فصل هذه الحرب عن كيفية إدارة الشأن العام بعد إسقاط نظام البشير، فإن الاكتفاء بالتغني بمفاتن الثورة والدعوة لعودتها فيه إنكار ذاهل عن أشد مأساة في تاريخ السودان، وهذا لا يجوز – بالذات لأن كل هذه الدعوات تأتي خالية من أي محاولة لتحليل وتحديد مكامن الخلل الذي أوصل الثورة إلى حالة كارثة كاملة الدسم، وبالتالي لا يتم تقديم أي تصور لتلافي العيوب التي أوردت الثورة والبلاد موارد الهلاك.
وليس في القول أعلاه أي تقليل لشرعية الثورة وروعتها ولا فيه أي دعوة للخنوع لأي حكم استبدادي فسادي ولا ليوم واحد. المعنى هو أن من واجب القوى السياسية وقادة الرأي العام الاعتراف بالواقع وهو أن الثورة انتهت بكارثة، وأن الواجب هو تحديد أوجه القصور التي خلقت هذا الواقع ومخاطبة جذوره حتى لا يكون مصير الثورة القادمة هو مصير الأخيرة، لأن الذين لا يعون تاريخهم محكوم عليهم بتكرار مآسيه – من فشل أكتوبر إلى فشل ثورة أبريل الأولى إلى هذا الخراء الراهن.
ربما كانت نقطة البداية في تشريح الجثة هي أن شعار “تسقط بس” يلخص جذر المأساة لأن معناه هو أن المشكلة الوحيدة كانت نظام البشير وأن سقوطه بس سيضمن تحسن الأوضاع على الأقل نسبيا. يظل هذا الشعار مفهوما تماما كأداة حشد وهتاف شارع متقد لأن هذه الجوانب من حشد وهتاف لا تحتمل تعقيدات وتركيب نظري.
ولكن المشكلة كانت في أن لسان حال الأحزاب والمثقفين يظل هو أيضا “تسقط بس”. بمعنى أنهم عجزوا عن إنتاج أي تصور أو برنامج أو ممارسات أو مؤسسات تتمتع بصدقية قادرة على إدارة الشأن العام بمستوى أفضل. لذلك ظل الخطاب محصورا في سوء الكيزان وأن كل المصاعب سببها ميراث ثلاثين عاما لهم في السلطة أو مؤامراتهم وهم خارجها حتى صار إفطار رمضان جماعي لمجموعة من الكيزان خطرا ماحقا على الثورة. ولم يخطر علي بالهم أن سلطة أو ثورة يهدد وجودها إفطار كيزان تكون قد انحدرت إلي درك نكتة بايخة لا تمتلك حق الوجود.
هذه الذهنية الاختزالية مونمانيا لا ترى غير الكيزان، وقد ساهمت في تعميق الفقر الفكري وعدم القدرة على تبصر مصاعب موضوعية أخرى وقصور ذاتي داخل أحزاب مصابة بفقر الدم الفكري يقودها أسوأ من في عضويتها.
إن ما حدث في السودان ليس استثناء، فقد كان مثله مصير جميع هبات الربيع العربي التي أعقبتها أوضاع أسوأ حتى حيث لم تتداع الدولة أو تندلع الحرب. العامل المشترك بين جميع تجارب الربيع العربي هو وجودها جميعا داخل نفس الفضاء الجيوسياسي وبالتالي حضور اللاعبين الخارجيين أنفسهم في جميع المشاهد.
المشترك الآخر هو أن كل هذه الهبات حدثت في عصر الإنترنت حيث كانت أهم عناقيد الحشد وإنتاج الشعار والصور الذهنية ونلاين (التعايشي للسيادي على سبيل المثال). وهذا لم يسمح بتبلور قيادات حقيقية تولد عضويا من رحم الشارع في التحام وجها لوجه مع الثوار، منهم وبهم وإليهم وخاضعة لمحاسبتهم.
وكانت المحصلة النهائية هي حشود شبابية فوارة أسقطت الدكتاتوريات ولكنها لم تملك أي مقومات وجاهزية لإدارة جهاز الدولة وتأمين انتقال سلس. وهكذا لم يعقب سقوط الاستبداد تبلور بديل قادر على الحكم مما خلق فراغ سلطة ملأته بعاعيت نصفها الآن علنا في صفوف جنجويد أدينوا بأسوأ الجرائم في كتاب القانون الدولي والقانون الأخلاقي وجمع آخر في زواج عرفي سري مع هؤلاء الجنجويد. أما الأنقياء فقد تفرقوا بين محايد ومعول على الجنجويد لإحداث توازن ضعف مفيد ثوريا وقلة تصدت لهم باليد أو الكلمة.
الدرس واجب الهضم أن “تسقط بس” حتى لو جاز كشعار حشد إلا أنه لا يكفي لخلافة نظام ظالم، وأن إسقاط الاستبداد بدون بلورة بديل له مصداقية قد يخلق فراغ سلطة/قوة تكون نتائجه وبالا على الشعب.
ولكن هذا لا يعني الركون إلى الاستبداد، وإنما هو دعوة لكل القوى الحية للارتفاع لمستوى التحدي وبناءأحزاب وأطر قادرة على إدارة الشأن العام بكفاءة ومسؤولية بعد انتقال السلطة. أما الدعوة لعودة الثورة مصحوبة بالهروب من واجب تحليل أسباب انحرافها الكارثي وكيفية تفادي ذلك في المستقبل، فهي دعوة للانتحار الأعمى مرة أخرى.
إن القبول بحكم غاشم ليس خيارا للأحرار، ولكن القفز في الظلام حماقة فكرية وأخلاقية غير مقبولة. كما أن الهروب من الأسئلة الصعبة والاكتفاء بالتغني الصبياني بجمال الثورة هو عجز ليس من الثورية في شيء.