رأي

ما بعد الحرب: تصفير العدَّاد وسقوط خرافة التهميش

خالد محمد أحمد

رُبَّ محنةٍ تفضح أوهامًا لطالما انطلت على كثيرين؛ فلعلَّ الحرب التي ما تزال تلتهم السودان تدفع إلى إعادة النظر في مفاهيم سياسية جرى التعامل معها باعتبارها مُسلَّماتٍ، وعلى رأسها مفهوم “التهميش” بصيغته المبتذلة المتداولة.

لم تكن المشكلة يومًا في الإقرار بوجود اختلالاتٍ تنموية أو تفاوتٍ في الخدمات، فذلك واقعٌ تعرفه كلُّ المجتمعات، وإنما في الطريقة التي حوَّلت بها النخب السياسية هذا الملفَّ إلى ماكينةٍ دائمة لإنتاج عقليَّة الضحيَّة. خطابٌ كرَّس في أذهان البسطاء أن نجاح أيِّ فئةٍ لا يمكن أن يكون ثمرة سعيٍ أو اجتهاد، بل نتيجة تواطؤٍ سياسي ومحسوبيةٍ واصطفاءٍ عرقي وجهوي، وأن تعثُّر الآخرين ليس إلا مؤامرةً تُحاك ضدَّهم، حتى تحوَّلت المظلوميَّة عند كثيرين إلى ذهنيَّة تعفي الإنسان من مساءلة نفسه، وتشلُّ إرادته عن الفعل والنهوض.

غير أن هذه الحرب جاءت اختبارًا واقعيًا قاسيًا فضح هشاشة هذا التصوُّر؛ فالفئة التي ظلَّ الخطاب السياسي يُروِّج أن الأنظمة “اصطفتها” ومنحَتها الامتيازات على حساب غيرها، لم تجد الدولة في انتظارها ساعة الانهيار، ولم تحظَ بمعاملةٍ تفضيلية في النزوح، ولم تُفتَح لها خزائن السلطة لتعويض خسائرها؛ بل واجهت الكارثة كغيرها بأكتافٍ عارية، ومُدَّخراتٍ محدودة، وقلقٍ يومي على المأوى والرزق والمصير.

لقد صفَّرت هذه الحرب العدَّاد للجميع، وفتحت نافذةً نادرة لمراجعة كثيرٍ من المُسلَّمات التي رسَّخها الخطاب السياسي؛ إذْ تهاوت أمام الواقع المجرَّد أسطورة “الفئة المُدلَّلة”، التي تعيش في حماية السلطة ونعيمها، بينما يُترَك الآخرون عمدًا للفقر والتهميش. اهتزَّت هذه الصورة حين اصطفَّ الجميع في طوابير المعاناة نفسها، وظهر مشهدُ شعبٍ كاملٍ يلجأ إلى الوسائل ذاتها للبقاء من تحويلات المغتربين إلى استنزاف المُدَّخرات، وبيع ما تبقَّى من الممتلكات، والاستدانة إلى حين ميسرة، وانتظار الفرج. كما كشفت الحرب أن أولئك الذين يُقدَّمون دائمًا باعتبارهم أبناء “المركز المُرفَّه” وجدوا أنفسهم مثل غيرهم من السودانيين يبحثون عن إيجار بيتٍ، أو ثمن دواءٍ، أو رسوم دراسةٍ.

وها هم ذا يعودون اليوم بالآلاف من منافيهم لترميم حياتهم وبنائها “طوبةً طوبة”، ويقفون على أرضيةٍ متقاربة من إعادة التأسيس بعد الانهيار. يشترون أبسط ضروريات العيش، ويؤسِّسون بيوتهم قطعةً قطعة، ويستأنفون أعمالهم بإمكاناتٍ شحيحة، لا لأن الدولة تتكفَّل بهم، ولا لأنهم يحظون بامتيازاتٍ على أساسٍ عرقي أو جهوي، بل لأن السواد الأعظم منهم لم يعتمد أصلًا في بناء حياته على أحدٍ قبل أن تُدمِّر الحرب ما بناه على مدى سنواتٍ من الكدِّ والتعب.

والحقيقة التي يجري تجاهلها كثيرًا هي أن هذه الفئة، التي تُصوَّر أحيانًا وكأنَّها طبقةٌ مُترفة صنعتها السلطة، كان أفرادها في الواقع من أوائل السودانيين الذين دفعتهم قسوة الحياة إلى الاغتراب؛ فقد جابوا العالم منذ عقودٍ بحثًا عن لقمة العيش بعد أن ضاقت بهم السبل في ديارهم. ولو كانت الأنظمة قد منحَتهم ذلك “النعيم الأسطوري” الذي يتحدَّث عنه تجار المظلوميَّة، لما اضطروا إلى استباق غيرهم في الانتشار في الأرض أصلًا، ولما قضوا أعمارهم في المنافي ومرارات الغربة. ولعلَّهم أول من عمل بقول صَفِيِّ الدين الحِلِّي:

تغرَّب وابْغِ في الأسفار رزقًا  لِتفتحَ بالتغرُّبِ بابَ نُجْحِ

فلن تجدَ الثراءَ بغيرِ سَعيٍ  وهل يُورِي الزِّنادُ بغيرِ قَدْحِ

لا أحد يُنكر وجود تفاوتاتٍ واختلالاتٍ تنموية في السودان، فذلك واقعٌ معروفٌ في جميع دول العالم بدرجاتٍ متفاوتة؛ لكن الكارثة تكمن في تحويل هذا التفاوت من قضيةٍ سياسية قابلةٍ للمعالجة إلى عقيدةٍ دائمة، وتأويل كلِّ تعثُّرٍ فردي أو جماعي باعتباره “مظلوميَّة أبديَّة” لا فكاك منها. عندها يُصبح الخطاب السياسي نوعًا من الاحتيال العاطفي على الناس؛ إذْ يُغذِّي فيهم عقليَّة الاستسلام والتذمُّر أكثر مما يبني فيهم إرادة الفعل ومشروع النهوض.

غير أن الواقع الراهن يفرض إعادة نظرٍ جذرية في هذا الخطاب، الذي تحوَّل مع مرور الوقت من أداةٍ لوصف اختلالاتٍ تنمويةٍ إلى وسيلةٍ لتخدير الوعي. ويبدو أن الرهان على استمرار تسويقه بعد هذه الحرب أقرب إلى محاولة بيع الوهم في سوقٍ احترق بالكامل. كما أن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان السوداني اليوم بنفسه هو أن يسمح لأحدٍ بأن يُعيده إلى قيود المظلوميَّة القديمة، بينما مَنْ حوله يشرعون في بناء حياتهم من الصفر وبلا مُعيناتٍ من أحدٍ. ومَنْ لا يتحرَّر من عقليَّة الضحيَّة في هذه اللحظة، قد يستيقظ بعد سنواتٍ ليجد أن الآخرين تجاوزوه، بينما ظلَّ هو واقفًا في محطة الشكوى “محلَّك سِرْ”؛ فالنجاح الحقيقي ما بعد هذه الحرب لن يكون لمَنْ يرفع صوته بالشكوى، بل لِمَنْ يمتلك القدرة على النهوض من تحت الركام واستئناف الحياة بالسعي والمبادرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى