الأحداث – تقرير
على بعد 68 كيلومترا غرب الفاشر، عاصمة شمال دارفور، وفي محلية طويلة التي صارت أكبر مخيم نزوح في السودان، تتراص خيام زرقاء أقامتها المنظمة الدولية للهجرة بدعم من هيئة إدارة الكوارث والطوارئ التركية.
وشيدت فرق الإغاثة خلال الأيام الماضية 3 آلاف خيمة جديدة، لكن هذا العدد لا يكاد يُذكر أمام احتياجات أكثر من 665 ألف نازح، وفق ما أعلنته المنظمة الدولية للهجرة في بيان صادر بتاريخ 21 يوليو 2026.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا: كيف لهذا العدد من الخيام أن يكفي مئات آلاف النازحين، وهطول الأمطار يهدد بتحويل الأرض المنخفضة إلى مستنقعات؟
وعود الإقليم
يقول عبد الباقي محمد حامد، وزير الرعاية الاجتماعية ومنسق الشؤون الإنسانية بحكومة إقليم دارفور، للجزيرة نت، إن حكومة الإقليم ناشدت المانحين والحكومة التركية، عبر السفير التركي، لتوفير الخيام للنازحين. ونتيجة لذلك، خُصصت 30 ألف خيمة وصلت إلى السودان، على أن توزع في دارفور وكردفان عبر المنظمة الدولية للهجرة، التي تتمتع بقدرة على الوصول إلى مناطق النزاع.
ويوضح عبد الباقي أن 3 آلاف خيمة رُكبت حتى الآن في مخيم دبة نايرة بمحلية طويلة، من أصل 6 آلاف خيمة يُتوقع وصولها قريبا. كما جرى إيصال 2450 خيمة إلى مخيمات السلام والوحدة والنخيل في محلية شعيرية بجنوب وشرق دارفور.
ويشير إلى أن محلية المالحة تسجل أعلى معدلات الاحتياج إلى المساعدات الإنسانية في دارفور، تليها محليات الطينة وكرنوي وأمبرو. ويشدد على ضرورة تنشيط معبر الطينة الحدودي لتسهيل وصول المساعدات إلى هذه المناطق المعزولة، التي تعاني نقصا حادا في الغذاء والدواء والوقود، في حين فاقمت الحرب عزلتها وتدهور أوضاعها الإنسانية.
ويحذر عبد الباقي من أن توفير المأوى وحده لا يكفي لمواجهة الأزمة، في ظل خطر مجاعة يلوح في مناطق أخرى وقد تكون تداعياتها أشد فتكا من الحرب نفسها، بينما تكافح المنظمات الإنسانية للوصول إلى كثير من المناطق المنكوبة.
خيام بالية
وتزامن وصول الخيام الجديدة مع بدء فصل الخريف واندلاع حرائق طالت مخيمات النزوح خلال الأسابيع الماضية، مما زاد معاناة النازحين الذين يعيشون في خيام بالية لا تقيهم الرياح والأمطار، وسط نقص حاد في الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.
وحذّرت المنظمة الدولية للهجرة، في بيان صدر في 21 يوليو 2026، من استمرار وتفاقم الاحتياجات الإنسانية في طويلة، في ظل تراجع الخدمات وتفشي الكوليرا المرتبطة بشح مياه الشرب النظيفة، إلى جانب الإسهالات المائية والالتهابات الجلدية، وسط اكتظاظ شديد وغياب مقومات النظافة.
وأكدت المنظمة مواصلة توسيع برامج المأوى في مخيم دبة نايرة، لكنها أشارت إلى أن تسارع النزوح يفوق قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
شهادات من العراء
ويقول أحمد موسى، نازح من الفاشر يقيم في مخيم دبة نايرة، للجزيرة نت إن الخيام الجديدة لا تغطي حتى عُشر احتياجات المخيم، بينما ينام كثيرون في العراء تحت الأمطار، ويمرض الأطفال من دون رعاية كافية.
وتقول فاطمة إبراهيم، نازحة من الفاشر في المخيم نفسه، للجزيرة نت، إنهم فروا من الفاشر بحثا عن الأمان فوجدوا العراء والجوع والمرض “الخيام الجديدة نراها من بعيد، لكنها لا تكفي، ونحن نتساقط كالذباب من الجوع والمرض. أطفالنا يمرضون أمام أعيننا، ولا نملك حتى العلاج”. وأضافت أن عائلات كثيرة تنام على التراب بلا غطاء يقيها برد الليل وحرارة النهار.
وتشير شهادات أخرى إلى اضطرار بعض الأسر للنوم تحت الأشجار أو في العراء بعد امتلاء الخيام، في حين تتقاسم أسر عدة خيمة واحدة في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة.
مجاعة مقبلة
يحذر وزير الزراعة بحكومة إقليم دارفور الصادق برنقو، في تصريح للجزيرة نت، من أن المجاعة قد تكون أخطر من الحرب، في ظل تراجع الأمطار الموسمية وجفاف الأراضي الزراعية ومراعي الماشية.
ويقول إن الحرب دفعت المزارعين إلى هجر أراضيهم، في حين تعرضت الأراضي المزروعة للاعتداء والإتلاف على يد “المليشيات”، ولا سيما مزارع الفاكهة والمحاصيل النقدية.
ويصف برنقو الوضع بأنه “نذر كارثة مرتقبة”، داعيا إلى تدخل إنساني عاجل، في ظل تهديد انعدام الأمن الغذائي لآلاف الأشخاص في أنحاء السودان، وفق تقارير أممية، مع كون دارفور الأكثر تضررا بفعل سنوات النزاع وتداعي البنية التحتية الزراعية.
أرقام صادمة
تؤوي طويلة نحو 665 ألف نازح، معظمهم فروا من الفاشر ومحيطها، وفق بيان المنظمة الدولية للهجرة الصادر في 21 يوليو 2026. وكان عددهم قد ارتفع بأكثر من الضعف بين مارس وسبتمبر 2025، من 238 ألفا إلى أكثر من 652 ألفا.
ويعاني أكثر من 70% من الأسر في طويلة نقصا حادا في الرعاية الصحية، في حين لم تتمكن نصف الأسر من الحصول على العلاج، وفق تقديرات المنظمة. ويُعد الأطفال دون الخامسة والحوامل الأكثر تضررا، مع ارتفاع معدلات سوء التغذية والأمراض المعدية.
ويقول آدم رجال، المتحدث باسم منسقية النازحين واللاجئين، للجزيرة نت، إن “طويلة ليست مجرد أرقام”، مشيرا إلى أن الاحتياجات تفوق الإمكانيات بعشرات المرات، ومحذرا من سقوط مزيد من الضحايا، خصوصا بين الأطفال وكبار السن، بسبب الجوع والمرض وغياب الخدمات الأساسية.
تحديات إغاثية
وتواجه المنظمات الإنسانية صعوبات كبيرة في الوصول إلى النازحين بسبب انعدام الأمن ووعورة الطرق وانتشار نقاط التفتيش التابعة لقوات الدعم السريع، التي تسيطر على محاور حيوية في المنطقة.
ويقول ناشطون محليون إن شاحنات المساعدات تتعرض أحيانا للنهب أو الابتزاز، مما يرفع كلفة الإغاثة ويؤخر وصولها إلى مستحقيها. ويضطر كثير من النازحين -حسب تقارير ميدانية- إلى قطع مسافات طويلة سيرا للحصول على حصص غذائية محدودة، بينما يبقى آخرون أسابيع من دون مساعدات.
وسعت الجزيرة نت للحصول على تعليق من المنظمة الدولية للهجرة وبرنامج الأغذية العالمي بشأن أوضاع النازحين في طويلة، عبر مكاتبهما الإعلامية في الخرطوم وبورتسودان، لكنها لم تتلق ردا حتى لحظة نشر التقرير.
وفي طويلة، حيث يعيش مئات الآلاف في خيام بالية وسط تفشي الأمراض وتهديد الخريف، تتسع الحاجة إلى المأوى والغذاء والرعاية، بينما لا تكفي 3 آلاف خيمة لمواجهة كارثة إنسانية تتفاقم يوما بعد آخر.
نقلا عن “الجزيرة نت”