يوم القيامة الاقتصادي» الذي يلوّح به ترامب ضد إيران قد يرفع مستوى المخاطر أكثر

بقلم سينا توسي

يرى الكاتب سينا توسي أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب دخلت مرحلة جديدة من المواجهة مع إيران بعد أن فشلت شهور من الحرب في دفع طهران إلى الاستسلام أو انهيار النظام.

الأداة الجديدة هي ما يسميه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت Operation Economic Outcast، أو «عملية العزل الاقتصادي»، وهي خطة تهدف إلى قطع إيران عما تبقى لها من الاقتصاد العالمي، وتهديد الحكومات والبنوك والشركات الأجنبية بالعقوبات إذا واصلت التعامل معها. (The Guardian)

لا ينكر الكاتب أن الاقتصاد الإيراني في وضع شديد الضعف.

سنوات العقوبات والحرب والحصار البحري الأميركي أضرت بصادرات النفط، وقلصت وصول إيران إلى العملات الأجنبية، بينما يعاني المواطنون من التضخم وتراجع قيمة العملة وانخفاض مستويات المعيشة.

ويقر المسؤولون الإيرانيون أنفسهم بحجم هذه الضغوط.

كما أن الرئيس مسعود بزشكيان دعا إلى محاولة التوصل إلى السلام ما دام بإمكان إيران التفاوض من موقع «القوة والكرامة».

لكن هنا يضع توسي الفاصل الأساسي في حجته:

حاجة إيران إلى اتفاق لا تعني استعدادها للاستسلام.

ويرى أن ترامب أخفق مراراً في فهم هذا الفرق.

فالضغط ليس استراتيجية في حد ذاته.

وكلما زادت واشنطن الضغط من دون تقديم مخرج سياسي مقبول، يتعزز الاعتقاد داخل طهران بأن التخلي عن أوراق القوة المتبقية سيجعل إيران أكثر تعرضاً للجولة التالية من الضغوط الأميركية. (The Guardian)

وبالتالي، تتبلور داخل إيران استراتيجية مزدوجة: التفاوض والصمود في الوقت نفسه.

أي البحث عن اتفاق، لكن مع إثبات أن النظام قادر على تحمل الضغط من دون التخلي عن شروطه الأساسية.

وهنا يشير الكاتب إلى تصريحات محسن رضائي، الرئيس الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الذي اعتبر المشاركة في الحملة الاقتصادية الأميركية «عملاً حربياً».

وقال رضائي إن طهران ستحاول أولاً إقناع الدول المجاورة بعدم المشاركة في العقوبات، لكنه لوح باستهداف مصالحها إذا انضمت إليها.

بل إنه هدد بأن إيران قد تعرقل صادرات النفط الخليجية حتى عبر الطرق والمنشآت التي أنشئت لتجاوز مضيق هرمز. (The Guardian)

ويحذر توسي من التعامل مع هذه التصريحات باعتبارها مجرد دعاية داخلية.

فهي تعكس، في رأيه، منطقاً استراتيجياً واضحاً:

إيران تعرف أنها لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة اقتصادياً، لكنها تستطيع محاولة جعل خنق الاقتصاد الإيراني مكلفاً جداً للولايات المتحدة والدول التي تحتاج واشنطن إلى تعاونها.

ويمكن أن يشمل ذلك زيادة الضغط على هرمز، وتهديد البنية الأساسية لمسارات تصدير النفط البديلة، أو استهداف مصالح أميركية في المنطقة.

وستزيد هذه الخطوات بلا شك معاناة الإيرانيين أنفسهم، لكن الكاتب يرى أن واشنطن يجب أن تفكر في النتائج من الدرجة الثانية والثالثة لسياساتها، لا في الأثر المباشر للعقوبات فقط.

العقبة الثانية أمام استراتيجية ترامب هي الصين.

لكي ينجح العزل الاقتصادي، تحتاج واشنطن إلى تعاون بكين، باعتبار الصين المشتري الأكبر للنفط الإيراني.

لكن الصين تسير في الاتجاه المعاكس.

فقد طلبت من شركاتها عدم الامتثال للعقوبات الأميركية على المشترين الصينيين للنفط الإيراني، وهددت باتخاذ إجراءات لحماية مصالحها إذا تعرضت للعقوبات الثانوية الأميركية. (The Guardian)

وبذلك تواجه واشنطن خياراً صعباً:

إما أن تتسامح مع استمرار التجارة بين إيران والصين ودول أخرى، وهو ما يضعف فعالية الحصار؛ أو أن توسع دائرة العقوبات لتشمل بنوكاً وشركات وحكومات في دول متعددة.

لكن الخيار الثاني يعني أن تتحول الحملة ضد إيران إلى مواجهة اقتصادية أميركية مع جزء واسع من العالم.

ويلفت الكاتب إلى تصريح لافت لوزير الخزانة بيسنت نفسه عندما سئل لماذا لا تفرض واشنطن فوراً أشد العقوبات الثانوية، فأجاب بما معناه: لماذا يريد أن «يفجر النظام المالي العالمي»؟

ويرى توسي أن هذا الاعتراف يكشف حدود خطة توصف في واشنطن بأنها «يوم الإنزال الاقتصادي». (The Guardian)

وهناك عامل السياسة الداخلية الأميركية.

فالانتخابات النصفية تقترب، والبيت الأبيض لا يريد تصعيداً جديداً يؤدي إلى اضطراب حركة النفط في الخليج وارتفاع حاد في أسعار الوقود.

إيران تدرك ذلك.

ولهذا فإن رهانات الطرفين أصبحت رهانات على من يستطيع الصمود أطول.

واشنطن تراهن على أن الاقتصاد الإيراني سينكسر أولاً.

وطهران تراهن على أن قدرة الولايات المتحدة على تحمل استمرار الحرب وارتفاع تكلفتها الاقتصادية والسياسية ستنهار قبل ذلك.

وهذا، بحسب الكاتب، هو الخلل المتكرر في سياسة ترامب تجاه إيران.

في عام 2018 انسحب ترامب من الاتفاق النووي أملاً في الحصول على اتفاق أفضل، لكن إيران وسعت برنامجها النووي.

ثم جاءت الحرب العسكرية باعتبارها وسيلة لإجبار طهران على قبول الشروط الأميركية، لكنها توسعت بدلاً من أن تنهي الأزمة، وتحول مضيق هرمز إلى إحدى أهم أدوات القوة الإيرانية.

والآن تحاول واشنطن استخدام الحصار الاقتصادي لتحقيق ما لم تستطع القوة العسكرية تحقيقه.

يحذر توسي في النهاية من أن هذه الاستراتيجية قد تنتج النتيجة المعاكسة: أسعار طاقة أعلى، وإيران أكثر عدائية، ودورة تصعيد جديدة لم تكن واشنطن تخطط لها.

والرسالة الأساسية للمقال هي أن الضغط، مهما كان هائلاً، لا يصبح استراتيجية إلا إذا ارتبط بهدف سياسي واقعي وطريق واضح للخروج من الصراع

Exit mobile version