«النازحون من حرب السودان يواجهون أوضاعاً بالغة السوء ومتدهورة في مدينة اللجوء»

نشرت صحيفة The Guardian اليوم الأحد 30 أغسطس 2026 تقريراً ميدانياً من مدينة الأبيض في شمال كردفان، يرصد تفاقم الأزمة الإنسانية في المدينة مع استمرار تدفق المدنيين الفارين من المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

ويقول التقرير إن أوضاع المدنيين في الأبيض وفي معسكرين رئيسيين على أطرافها أصبحت شديدة السوء وتتدهور باستمرار، مع وصول مزيد من النازحين يومياً من القرى والمناطق المحيطة.

وبحسب الأمم المتحدة، وصلت إلى الأبيض منذ منتصف يوليو أكثر من 15 ألف أسرة جديدة، لتنضم إلى أكثر من 200 ألف شخص كانوا قد وصلوا إلى المدينة خلال النصف الأول من العام، وفق أرقام حكومية نقلتها منظمة إنقاذ الطفولة. (The Guardian)

وتنقل الصحيفة عن متطوعة في المجال الإنساني قولها إن المدينة أصبحت مكتظة بصورة غير مسبوقة، وإن معظم الوافدين الجدد يصلون سيراً على الأقدام ولا يحملون معهم سوى القليل جداً من الممتلكات، ويعانون نقص الغذاء وآثاراً نفسية واضحة نتيجة ما تعرضوا له أثناء القتال والنزوح.

وكان عدد سكان الأبيض قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023 يقدر بنحو نصف مليون نسمة، لكن المدينة أصبحت الآن واحدة من أهم مراكز استقبال النازحين في كردفان.

وقد استوعبت الأحياء السكنية جزءاً كبيراً من الوافدين، بينما يعيش عشرات الآلاف في معسكرين رئيسيين حول المدينة. ويشير تحليل صور الأقمار الصناعية الذي أجراه مختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل إلى ظهور نحو 800 خيمة جديدة في أحد المعسكرات بين 4 و25 أغسطس فقط. (The Guardian)

ويقول مدير المجلس الدنماركي للاجئين في السودان، الذي زار الأبيض الأسبوع الماضي، إنه شاهد في صباح واحد وصول نحو 450 نازحاً من القرى المحيطة، مقدراً أن النساء والأطفال يشكلون نحو 85% من الوافدين الجدد.

أما كثير من الرجال، فيبقون في القرى لأن موسم الزراعة الحالي يمثل فرصة حاسمة لإنتاج الغذاء وتأمين مصادر المعيشة.

ويضع التقرير هذه الموجة داخل المأساة السودانية الأوسع، إذ نزح نحو 11.3 مليون شخص منذ اندلاع الحرب، أي أكثر من خُمس سكان البلاد. كما أن مناطق في الأبيض ومحيطها أصبحت مصنفة ضمن المناطق المعرضة لخطر المجاعة. (The Guardian)

لكن العامل العسكري الأكثر تأثيراً في حياة السكان أصبح الطائرات المسيّرة.

تقول الصحيفة إن ضربات الدعم السريع بالمسيّرات على الأبيض ومحيطها تصاعدت بصورة كبيرة في يونيو، إلى درجة دفعت الأمم المتحدة آنذاك للتحذير من احتمال أن تواجه المدينة مصيراً شبيهاً بمدينة الفاشر.

تراجعت وتيرة الضربات نسبياً لاحقاً، كما تمكن الجيش في أواخر يوليو من استعادة طريق مهم يصل الأبيض شمالاً بالخرطوم، ما خفف جزئياً خطر الحصار.

لكن المسيّرات ما زالت تقتل وتصيب المدنيين، بينما تستمر المواجهات العنيفة في المناطق الريفية المحيطة، وهو ما يدفع المزيد من السكان إلى النزوح نحو المدينة. (The Guardian)

وتلفت الصحيفة إلى ظاهرة شديدة الخطورة: ما يسميه المتطوعون «الضربات المزدوجة»، حيث تأتي ضربة ثانية بعد الضربة الأولى وتستهدف الأشخاص الذين يصلون لإسعاف المصابين أو انتشال الضحايا.

وتنقل عن إحدى المتطوعات وصفها للخوف الذي يعيشه السكان عند سماع أصوات المسيّرات، وهو خوف لا يقتصر على احتمال التعرض للقصف، بل يمتد حتى إلى الخشية من الاقتراب من موقع الضربة لمساعدة الآخرين.

وتوضح الباحثة نهاد الطيب من منظمة ACLED، التي ترصد النزاعات المسلحة، أن الحرب السودانية أصبحت تعتمد على المسيّرات بدرجة غير مسبوقة؛ إذ كانت تمثل نحو 4% فقط من الحوادث العنيفة في بداية الحرب، لكنها أصبحت الآن تشكل قرابة نصفها. (The Guardian)

وتستخدم القوات المسلحة وقوات الدعم السريع المسيّرات، لكن التقرير يقول إن نمط استخدام الدعم السريع أصبح أقل كثافة وأكثر انتقائية منذ أن أدت حرب الولايات المتحدة مع إيران إلى اضطرابات في خطوط الإمداد خلال فبراير.

وفي كردفان بصورة عامة، سجلت ACLED خلال العام الحالي 322 حادثة عنف أثرت في المدنيين، مقارنة بـ388 حادثة طوال عام 2025.

وينسب نصف هذه الحوادث تقريباً إلى قوات الدعم السريع، لكن القوات المسلحة والقوات المتحالفة معها مسؤولة أيضاً عن سقوط ضحايا مدنيين في بعض الحالات، وفق التقرير. (The Guardian)

ولا تقف الأزمة عند الأمن.

فالتهديدات التي تواجه الشاحنات ومسارات النقل رفعت أسعار الغذاء بصورة كبيرة.

في يوليو بلغ سعر لتر زيت الفول السوداني في شمال كردفان نحو 17 ألف جنيه سوداني، بعد أن كان 13 ألفاً في يونيو و7700 جنيه قبل عام. كما تضاعفت تقريباً أسعار الدقيق ولحوم الضأن والماعز خلال عام واحد. (The Guardian)

أما البنية التحتية للمياه والكهرباء فلم تتعاف بعد من ضربات المسيّرات في يونيو.

وتقول منسقة الطوارئ في منظمة أطباء بلا حدود إن المصدر الرئيسي للمياه في شمال المدينة تعرض لأضرار بالغة ولم تتم إصلاحه، كما تضررت شبكات المياه الداخلية.

ولهذا تعتمد المدينة والمستشفيات ومعسكرات النازحين إلى حد كبير على نقل المياه بالشاحنات، وهو ما لا يغطي الاحتياجات.

وتصف المنظمة أوضاع الصرف الصحي بأنها شديدة السوء، إذ قد يستخدم المرحاض الواحد أكثر من 100 شخص، ما يدفع إلى انتشار التبرز في العراء ويزيد مخاطر الأوبئة. (The Guardian)

ومع ذلك، يختتم التقرير بصورة من الصمود المحلي؛ إذ يؤكد المتطوعون أنهم مستمرون في العمل رغم الهجمات والنزوح ونقص الموارد.

والرسالة الأساسية التي يخرج بها تقرير The Guardian هي أن الأبيض لم تعد مجرد مدينة عسكرية على خط المواجهة، بل أصبحت مركزاً إنسانياً ضخماً يحمل عبء حرب كردفان كلها.

والخطر الحقيقي هو أن المدينة التي يفر إليها المدنيون بحثاً عن الأمان أصبحت هي نفسها تعاني ضغطاً هائلاً على الغذاء والمياه والخدمات، بينما ما تزال قريبة من جبهة القتال

Exit mobile version