الاحداث:ماجدة حسن
في ذكرى رحيل الملحن والموسيقار السوداني يوسف القديل، تعود ألحانه إلى الواجهة بوصفها جزءاً من الذاكرة الغنائية التي صنعت وجدان أجيال من السودانيين، وأسهمت في ترسيخ مكانة عدد من الأصوات في مسيرة الأغنية الحديثة. لم يكن القديل مجرد ملحن يمنح الكلمات لحناً، بل موسيقياً امتلك قدرة على تطويع الشعر وتحويله إلى جمل موسيقية نابضة بالعاطفة، وهو ما تجلى بوضوح في أعماله التي ارتبطت باسم الفنان الراحل محمود عبد العزيز، أحد أبرز الأصوات التي شكلت ملامح الغناء السوداني الحديث.
رحل القديل في الخرطوم يوم الجمعة 8 أكتوبر 2021، بعد معاناة مع المرض، تاركاً وراءه رصيداً فنياً تتردد أصداؤه كلما استعادت الذاكرة أغنيات ارتبطت بالحب والشوق والحنين. وبرحيله، فقدت الساحة الفنية ملحناً أسهمت أعماله في تشكيل وجدان المستمع السوداني، وظلت بصمته حاضرة في أغنيات تجاوزت زمن إنتاجها الأول.
من الأبيض إلى فضاء الموسيقى
ارتبطت البدايات الفنية للقديل بمدينة الأبيض، حيث انخرط في النشاط الموسيقي والتحق بفرقة فنون كردفان، كما خاض تجارب فنية أسهمت في صقل موهبته، من بينها العمل مع فرق موسيقية في الفاشر والأبيض. وبرز اسمه في النشاط المدرسي من خلال تلحين نشيد «فرحة عيد»، قبل أن تتسع تجربته مع انتقاله إلى الخرطوم.
واصل القديل مسيرته الأكاديمية بالالتحاق بكلية الموسيقى والدراما في جامعة السودان عام 1995، وتخرج فيها عام 2000، جامعاً بين الممارسة الموسيقية والدراسة المتخصصة. وفي مرحلة لاحقة، عمل مشرفاً موسيقياً لدى عدد من شركات الإنتاج الفني، في فترة شهدت توسعاً في إنتاج الأغنيات الحديثة وتقديمها للجمهور عبر الإذاعة والتلفزيون.
لم تكن تجربته محصورة في لون موسيقي واحد؛ فقد اتجه إلى تقديم ألحان تجمع بين روح الأغنية السودانية وملامح التجديد، مستفيداً من معرفته الموسيقية وقدرته على التعامل مع النصوص الشعرية المختلفة. وقد انعكست هذه السمات في أعماله التي اتسمت بالتنوع، مع احتفاظها بحس عاطفي واضح وقدرة على الوصول إلى وجدان المستمع.
محمود عبد العزيز.. الثنائية التي صنعت الشهرة
مثّل التعاون بين يوسف القديل والفنان محمود عبد العزيز المحطة الأبرز في مسيرته، إذ جمعتهما علاقة فنية أثمرت مجموعة من الأغنيات التي أصبحت من العلامات المعروفة في تجربة «الحوت». وتعود جذور هذا التعاون إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما التقيا خلال رحلة غنائية إلى الأبيض وأم روابة، قبل أن تتجدد الشراكة لاحقاً في الخرطوم.
وكانت أغنية «سيب عنادك»، التي كتب القديل كلماتها ووضع لحنها، من الأعمال المبكرة التي أسست لهذه الثنائية وأسهمت في انتشار اسمه. ومع توالي التجارب، اتسعت دائرة التعاون بينهما، ليقدم القديل ألحاناً لعدد كبير من الأغنيات التي وجدت طريقها إلى جمهور واسع.
ومن أبرز الأعمال التي ارتبطت بهذا التعاون «ما تشيلي هم»، و«نور العيون»، و«تعب الريدة»، و«برتاح ليك»، و«وعد اللقيا»، و«لهيب الشوق»، و«خوف الوجع»، و«عشان سمحة»، و«ما بتقدري»، و«عامل كيف»، و«اتفضلي»، و«مشروق بي همك»، إلى جانب «طروني ليك»، التي يستدعي عنوانها مشاعر الحنين إلى الفنان والملحن كلما عاد محبوهما إلى أرشيفهما المشترك.
وتشير روايات عن تجربة القديل إلى امتداد تعاونه مع محمود عبد العزيز إلى أكثر من مئة عمل في مجالات الشعر والتلحين والتوزيع الموسيقي، وهو ما يعكس اتساع الشراكة بينهما، ويكشف عن الدور الذي أداه القديل في تشكيل جانب مهم من تجربة «الحوت» الغنائية.
بصمة تجاوزت تجربة الحوت
على الرغم من ارتباط اسمه الوثيق بمحمود عبد العزيز، فإن تجربة القديل لم تتوقف عند هذه الثنائية. فقد تعامل مع عدد من الفنانين السودانيين، وقدم ألحاناً وأعمالاً أسهمت في تنويع تجربته وتوسيع حضوره داخل الوسط الفني.
ومن الفنانين الذين ارتبطت أسماؤهم بأعماله عصام محمد نور، الذي قدم أغنية «زمان الفرقة»، إلى جانب شكر الله عز الدين، وطه سليمان، وحرم النور، ونزار المهندس، وعصمت بكري. كما ارتبطت بداياته الفنية بأعمال قدمها لفنانين في كردفان، من بينهم إبراهيم ابنعوف، الذي قدم له أغنيتي «أم لهيج» و«ركازة القبائل»، وأسامة زيدان الذي ارتبط اسمه بأغنية «سيب عنادك» قبل أن تصبح من أشهر أعمال محمود عبد العزيز.
وامتدت اهتماماته إلى إنتاج مقطوعات موسيقية، من بينها «دارفور» و«الرايقة» و«الغرة»، في دلالة على تنوع اشتغاله الموسيقي وعدم اقتصاره على تلحين الأغنيات العاطفية. فقد كان حريصاً على استكشاف مساحات مختلفة في الموسيقى، بما يعكس تعدد اهتماماته وقدرته على التعامل مع أنماط تعبيرية متنوعة.
جائزة عربية وشهادة على التجديد
حظيت تجربة القديل بتقدير خارج السودان أيضاً؛ إذ فاز عام 2010 بجائزة أفضل لحن عربي في مهرجان القاهرة للأغنية العربية في دورته الخامسة عشرة، عن أغنية «حورية». وجاء هذا التتويج ليضيف محطة مهمة إلى مسيرته، ويؤكد حضور تجربته في محيط أوسع من الساحة المحلية.
وارتبط اسمه بالجرأة في بناء الجملة اللحنية والبحث عن مساحات تعبيرية جديدة، مع الاحتفاظ بصلته بروح الأغنية السودانية. ولم تكن قيمة أعماله في انتشارها وحده، بل في قدرته على منح النص الشعري مساراً موسيقياً يرسخ في الذاكرة، ويجعل الأغنية قابلة للاستمرار خارج لحظة إنتاجها الأولى.
ألحان باقية بعد الغياب
في ذكرى رحيله، لا تُستعاد تجربة يوسف القديل بوصفها سيرة ملحن غاب فحسب، وإنما باعتبارها جزءاً من تاريخ الأغنية السودانية الحديثة، ومن الشراكات الفنية التي صنعت نجاحات راسخة في ذاكرة الجمهور. وتظل «طروني ليك» و«سيب عنادك» و«نور العيون» وغيرها من الأعمال شواهد على قدرة اللحن على تجاوز زمن صاحبه، وعلى أن الموسيقى قد تحفظ للراحلين حضوراً يتجدد مع كل استماع.
لقد غاب يوسف القديل جسداً، لكن ألحانه لا تزال تفتح أبواب الحنين إلى زمن فني ثري، وتعيد إلى الذاكرة صوت محمود عبد العزيز وتجربة موسيقية جمعت بين الكلمة واللحن والأداء في صيغة وجدت طريقها إلى قلوب المستمعين. وفي كل مرة تتردد فيها تلك الأغنيات، يتجدد الاهتمام بأصحاب الألحان الذين يقفون خلف الأعمال الخالدة، وتعود سيرة القديل لتؤكد أن الملحن شريك أصيل في صناعة الأغنية، وأن بصمته قد تبقى حية حتى بعد أن يصمت عوده.