جرد حساب
عادل الباز
١
ليست المشكلة في السودان أن الدولار يُباع بسعرين فقط؛ بل إن وجود سعر رسمي لا يستطيع جذب الدولار، وسعر موازٍ يجذب العرض والطلب، يعني عملياً أن السوق غير الرسمية هي التي تقود الاقتصاد، بينما تلاحقها المصارف من الخلف. لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست حول الرقم الذي يظهر على لوحة البنك كل صباح، وإنما حول سؤال أبسط وأعمق: أين يفضّل المصدر والمغترب والمستورد أن يبيعوا الدولار ويشترونه؟
٢
إذا أصبحت الإجابة هي المصرف، تبدأ السوق الموازية في فقدان قوتها. أما إذا ظل المصرف أبطأ، أو أقل سعراً، أو أكثر تعقيداً في الإجراءات، فسيبقى الدولار خارج النظام الرسمي مهما تعددت المنشورات والقرارات.
من هنا تأتي أهمية القرارات الأخيرة الصادرة عن بنك السودان المركزي. فهي لا تمثل مجرد تعديل إداري في طريقة إعلان سعر الصرف، بل محاولة لتغيير العلاقة بين المصارف والسوق الموازية: بدلاً من أن تتبع المصارف سعر السوق غير الرسمي، تسعى السياسة الجديدة إلى تمكينها من منافسته وجذب العملات الأجنبية إلى داخل الجهاز المصرفي.
٣
السؤال ليس ما إذا كان القرار يمثل تحرراً أكبر لسعر الصرف؛ فهذا واضح. السؤال هو: هل تستطيع هذه السياسة تقليص الفجوة بين سعر المصارف والسوق الموازي، والحد من تدهور الجنيه، وإعادة الدور القيادي للسوق الرسمي؟
الإجابة المختصرة هي أن ذلك ممكن، وربما بصورة ملموسة، لكنه ليس تلقائياً ولا يتحقق بتعديل السعر وحده. النجاح يتوقف على قدرة البنوك على شراء الدولار والذهب وحصائل الصادرات بأسعار واقعية، وتنفيذ التسويات بسرعة، وجذب تحويلات السودانيين في الخارج، وتوفير التمويل الحقيقي للاستيراد.
٤
ماذا غيّر البنك المركزي؟
أصدر بنك السودان المركزي منشور إدارة السياسات رقم 16/2026، وألغى بموجبه عدداً من القيود والتعاميم السابقة المتعلقة بإدارة سوق النقد الأجنبي. ومنح المصارف التجارية مساحة أكبر لتحديد أسعار الصرف وفق حركة العرض والطلب، مع السماح بتعديل السعر المعلن خلال يوم العمل، على أن يتم إعلان السعر قبل تنفيذ المعاملات.
كما أتاح للمصارف شراء حصائل الصادرات بالسعر الذي تعلنه، وفقاً للعرض والطلب. وإذا رفض بنك تجاري شراء حصيلة صادرات معروضة عليه، فعليه الرجوع إلى إدارة الأسواق المالية في بنك السودان لترتيب عملية الشراء والتسوية.
المعنى العملي لهذا التحول هو أن البنك المركزي ينتقل من سياسة تقوم على تحديد سعر الصرف ثم محاولة فرضه على السوق، إلى سياسة أقرب إلى ترك المصارف تنافس السوق على الدولار. وهذا هو الفارق الجوهري في القرارات الأخيرة: الانتقال من السعر الإداري إلى سعر أكثر ارتباطاً بحركة السوق]
٥
الحلقة التي يريد كسرها
عندما يكون سعر الدولار في السوق الموازي أعلى كثيراً من السعر الذي يستطيع المصرف دفعه، يصبح قرار المصدر واضحاً: لماذا يبيع حصيلة صادراته للبنك بسعر منخفض، بينما يستطيع الحصول على سعر أفضل خارج الجهاز المصرفي؟
عندها تبدأ الحلقة المفرغة. تنخفض حصائل الصادرات التي تدخل إلى البنوك، فتقل العملات الأجنبية المتاحة لديها. ويضطر المستوردون إلى اللجوء للسوق الموازي، فيرتفع الطلب على الدولار خارجه، ويرتفع السعر أكثر، وتتسع الفجوة بين السعرين، ويصبح بيع الدولار للمصارف أقل جاذبية.
يحاول القرار الجديد كسر هذه الحلقة من نقطة السعر. فإذا قدمت البنوك سعراً قريباً من سعر السوق، يصبح بيع الدولار لها أكثر جاذبية. وإذا تدفقت العملات إلى المصارف، أصبحت أكثر قدرة على تمويل الاستيراد. وكلما انتقل المستورد من السوق الموازي إلى البنك، انخفض الطلب على الدولار خارج النظام المصرفي.
لكن السعر التنافسي وحده لا يكفي. فالمصدر أو المغترب لا يقارن بين سعر البنك وسعر السوق الموازي فقط، بل يقارن أيضاً بين سرعة التسوية، وسهولة التحويل، وتوافر السيولة، ووضوح الإجراءات، ومدى ثقته في استمرارية السياسة.
إذا كان سعر البنك قريباً من السوق، لكنه بطيء في السداد، أو معقداً في إجراءاته، أو لا يضمن للعميل تنفيذ معاملته في الوقت المناسب، فستظل نسبة كبيرة من العملات الأجنبية خارج القنوات الرسمية. لذلك فإن الاختبار الحقيقي للسياسة سيكون في شباك المصرف، لا في نص المنشور وحده.
٦
ذراعا السياسة الجديدة
تقوم السياسة الجديدة على ذراعين متكاملين.
الذراع الأول هو زيادة عرض النقد الأجنبي عبر البنك المركزي، من خلال استمرار ضخ العملات الصعبة إلى المصارف لتمويل استيراد السلع الاستراتيجية. وهذه السلع من أكبر مصادر الطلب على الدولار، ولذلك فإن تمويلها عبر الجهاز المصرفي يقلل لجوء الشركات العاملة فيها إلى السوق الموازي.
إذا وصل التمويل فعلاً إلى عمليات الاستيراد المستوفية للضوابط، يمكن أن يخفف ذلك من الضغوط على أسعار السلع الأساسية، ويحد من انتقال ارتفاع الدولار إلى أسعار الغذاء والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج. وقد أكد البنك المركزي استمرار عمليات ضخ النقد الأجنبي عبر المصارف لتلبية احتياجات الاستيراد وفق السياسات والضوابط المعتمدة[][]
لكن هذا الضخ يجب أن يكون موجهاً وشفافاً. فالموارد المخصصة للسلع الاستراتيجية يجب أن تصل إلى الاستيراد الحقيقي، لا أن تتحول إلى أرباح للمضاربين أو إلى طلب إضافي في السوق الموازي. وضبط هذه الحلقة مهم بقدر أهمية توفير الدولار نفسه.
أما الذراع الثاني فهو جعل سعر المصارف أكثر واقعية ومرونة. فقد أتاحت السياسة للمصارف شراء حصائل الصادرات وفق السعر المعلن وحركة العرض والطلب، بما يسمح لها بتقديم أسعار أقرب إلى السوق وجذب موارد كان تتجه إلى القنوات غير الرسمية ]
ويمكن أن يفتح ذلك الباب أمام تدفق أكبر لتحويلات السودانيين في الخارج عبر النظام المصرفي، إذا اقترن بالسعر الجاذب وسرعة الخدمة وسهولة استقبال التحويلات. كما قد يساعد على استعادة جزء من حصائل الصادرات، ولا سيما الذهب، وبناء احتياطيات أفضل من النقد الأجنبي داخل الجهاز المصرفي.
وإذا استمر البنك المركزي في شراء الذهب بأسعار منافسة، مع إحكام الرقابة على التهريب وربط الإنتاج بالقنوات الرسمية، فقد تتعزز قدرته على تكوين احتياطيات تسمح له بالتدخل عند الضرورة لتخفيف التقلبات الحادة في سوق الصرف.
٧
ينبغي ألا يُقاس نجاح السياسة بانخفاض فوري في سعر الدولار داخل المصارف. ففي المرحلة الأولى، قد يرتفع السعر الرسمي ليقترب من السعر المتداول فعلياً في السوق الموازي. وهذا ليس بالضرورة مؤشراً إلى الفشل، بل قد يكون جزءاً من عملية تصحيح تجعل السعر الرسمي أكثر واقعية.
الهدف الأول ليس إعلان سعر منخفض على الورق، بل تقليص الفجوة بين السعرين، وإزالة الحافز الذي يدفع المصدر والمغترب إلى بيع العملات خارج النظام المصرفي. وعندما تبدأ العملات الأجنبية بالدخول إلى البنوك، وتتراجع حاجة المستوردين إلى السوق الموازي، يمكن أن تتحسن قدرة السوق الرسمية على الاستقرار وقيادة السعر تدريجياً.
لكن حرية التسعير تحتاج إلى رقابة فعالة وشفافية كاملة. فإذا اختلفت الأسعار بين المصارف بصورة غير مبررة، أو غابت المعلومات الواضحة عن أسعار الشراء والبيع، أو ظهرت ممارسات احتكارية ومضاربات قصيرة الأجل، فقد تتحول المرونة المطلوبة إلى مصدر جديد للارتباك.
لذلك يحتاج البنك المركزي إلى متابعة يومية لحركة الأسعار، وحجم التعاملات، وسرعة التسوية، وتدفقات حصائل الصادرات، مع ترك مساحة كافية للمصارف للتنافس الحقيقي. البنك المركزي يضع الإطار والسياسة، لكنه لا يستطيع وحده إنشاء سوق نقد أجنبي فعالة؛ فالمسؤولية تنتقل الآن إلى المصارف: هل ستشتري حصائل الصادرات فوراً؟ وهل ستعلن أسعاراً منافسة؟ وهل ستنفذ التحويلات والتمويل بكفاءة ووضوح؟
# كيف نحكم على النجاح؟
خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، لا بد من متابعة مؤشرات محددة للحكم على نجاح السياسة الجديدة:
* حجم حصائل الذهب والصادرات التي تدخل إلى المصارف عبر القنوات الرسمية.
* حجم تحويلات السودانيين في الخارج التي تصل إلى البنوك بدلاً من القنوات غير الرسمية.
* نسبة طلبات الاستيراد التي تمولها المصارف فعلياً، خصوصاً للسلع الاستراتيجية ومدخلات الإنتاج.
* قدرة البنك المركزي على الاستمرار في توفير العملات الأجنبية للسلع الأساسية دون استنزاف الموارد.
* تقلص الفجوة بين سعر الدولار في المصارف والسوق الموازي.
* سرعة تنفيذ معاملات شراء حصائل الصادر، والتحويلات، وتمويل الاستيراد.
* انتظام توافر النقد الأجنبي لدى المصارف، لا مجرد إعلان سعر على الورق.
إذا تحسنت هذه المؤشرات معاً، يمكن القول إن السياسة بدأت تؤتي أكلها. أما إذا ارتفع السعر الرسمي دون زيادة حقيقية في حصائل الصادرات أو التحويلات، أو ظل المستوردون يتجهون إلى السوق الموازي، فسيعني ذلك أن المشكلة لم تكن في التسعير وحده، بل في الثقة والتنفيذ وتوافر الموارد.
قرارات بنك السودان تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها ليست عصاً سحرية لكسر السوق الموازي. فهي تعالج واحداً من أهم أسباب قوة هذه السوق: الفارق الكبير بين السعر الرسمي والسعر الذي يقبله السوق فعلياً.
غير أن نجاحها يتطلب استعادة أكبر قدر ممكن من صادرات الذهب إلى القنوات الرسمية، وجذب تحويلات المغتربين، وزيادة الصادرات غير النفطية، وضبط تهريب الذهب، وترشيد الطلب على الاستيراد، وتحسين كفاءة المصارف، واستمرار توفير العملات الأجنبية للسلع الأساسية.
إذا اجتمعت هذه العناصر، يمكن أن يحدث التحول المطلوب: بدلاً من أن تطارد المصارف السوق الموازي، تبدأ السوق الموازية في فقدان ميزتها، ثم تضطر إلى متابعة أسعار البنوك.
وهذا هو الهدف الحقيقي لمنشور 16/2026: ليس السعر الذي يظهر على لوحة المصارف كل صباح، بل أن تصبح المصارف المكان الأكثر جدوى وأماناً وسرعة لبيع الدولار وشرائه.