رأي

ولا يَغُضُّ الضياءُ ضياءً

روح متجددة

بقلم: عصماء عاصم

ثَمّة نفوسٌ لا يزعجها أن ترى الضياء في غيرها، لأنها لم تتعلّم أن النور إذا أشرق في نافذةٍ أخرى، لا يعني أن نافذتها قد أُطفئت.

لكن بعضنا يمضي في الحياة وكأنها نوافذ متقابلة؛ إذا أشرقت إحداها، ظنّ صاحب الأخرى أن نصيبه من الضوء قد نقص. فإذا رأى نجاحًا عند غيره، سأل نفسه: لِمَ ليس عندي؟ وإذا أبصر جمالًا أو علمًا أو موهبة، راح يفتّش عن موضع نقصٍ فيها، حتى لا يُضطر إلى الإقرار بأن لغيره فضلًا عليه في ناحيةٍ من النواحي.

ولعلّ المشكلة ليست في المقارنة ذاتها، بقدر ما هي في الأثر الذي تتركه المقارنة في نفوسنا.

قد ترى من هو أقدر منك على الحديث، أو أبرع في الكتابة، أو أوسع علمًا، أو أوفر حظًا من موهبةٍ طالما تمنّيتها، فتظنّ أنك بذلك قد نقصت. وما علمتَ أن تميّز غيرك لا ينتقص من قدرك، وأن ما أُوتيه غيرك ليس بالضرورة مما حُرمتَه.

تأملتُ طويلًا قول موسى عليه السلام:

﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾.

ما أوجزها من عبارة، وما أعمق ما وراءها.

نبيٌّ كريم يقول عن أخيه: هو أفصح مني.

لم يرَ في الاعتراف بفضل هارون انتقاصًا من فضله، ولم يحتج إلى أن يستر مزية أخيه ليحفظ لنفسه مكانتها. عرف ما عنده، وعرف ما عند أخيه، فلم يضق أحد الأمرين بالآخر.

وهنا معنى بالغ الجمال: أن المرء لا يصغر حين يعترف بكِبَر غيره.

بل إن الاعتراف بفضل الآخرين قد يكون من علامات سلامة النفس؛ لأن من عرف قدره لا يحتاج إلى إنكار قدر غيره، ومن اطمأن إلى مكانه لا تزعجه منزلة الآخرين.

وفي الجهة الأخرى، يأتي قول إبليس:

﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾.

كلمات قليلة، لكنها تكشف نفسًا لم تستطع أن ترى فضل غيرها إلا بوصفه تهديدًا لها.

ومن هنا يبدأ الغرور؛ حين يصبح الإنسان في حاجةٍ دائمة إلى أن يكون الأعلى، والأعلم، والأجمل، والأسبق، لا لأنه يريد أن ينمو، بل لأنه يخشى أن يرى نفسه أقل من أحد.

وهكذا تتحول الحياة إلى ميدان مقارنة لا ينتهي؛ فكلما بلغ الإنسان منزلةً وجد من سبقه، وكلما ظن أنه بلغ الغاية ظهر له من فاقه في أمرٍ آخر.

فماذا لو كففنا عن النظر إلى اختلاف الناس بوصفه نقصًا فينا؟

ماذا لو قلنا: هو متميّز في هذا، ولي تميّزي في غيره؟

فالله لم يجعل المواهب سواء، ولا قسم الأرزاق على صورةٍ واحدة. أودع في هذا فصاحة، وفي ذاك علمًا، وفي آخر حُسن تدبير، وفي غيره موهبةً لا تظهر إلا حين يحين أوانها.

وقد يحمل الإنسان في داخله نعمةً عظيمة، لكنه لا يلتفت إليها لأنه اعتاد وجودها، بينما يتمنى ما عند الآخرين لأنه يراه بعينٍ أوضح.

لذلك ليس المطلوب أن نكون الأجمل في كل مجلس، ولا الأعلم في كل مجال، ولا الأسبق في كل طريق.

المطلوب أن نعرف ما وهبنا الله، وأن نحسن النظر إلى ما وهبه لغيرنا.

أن تستطيع أن تقول لصاحبك: أنت أجود مني في هذا، دون أن تنكسر.

وأن ترى نجاح إنسانٍ آخر، فتبارك له بدل أن تسأل: لماذا لم يكن لي؟

وأن ترى جمال امرأةٍ أخرى، فلا تنشغل بالبحث عن عيبٍ فيها لتستعيد شعورك بجمالك.

وأن تقرأ لمن هو أقدر منك، فلا تعتبر الإعجاب به هزيمةً لك، بل بابًا تتعلم منه.

فليس كل تفوقٍ يراه الإنسان في غيره خصمًا من رصيده، وليس كل نجاحٍ يصل إليه سواه إعلانًا عن تأخره.

لكل إنسان طريقه، ووقته، ورزقه، وموضعه الذي قد لا يشبه فيه أحدًا.

وربما كان من أكرم ما تهبه لغيرك أن تعترف له بفضله.

كلمة صادقة في موضعها قد تُعيد إلى إنسانٍ ثقته بنفسه، وقد تجعله يرى موهبته التي ظلّ طويلًا يشك فيها. وليس أجمل من قلبٍ يرى الخير في الناس، فيذكره، ويثني عليه، ولا يحسب ما يقول كأنه يخسر من رصيده.

فما أعجب الإنسان حين يظن أن عليه أن يطفئ شمعةً ليبدو أكثر ضياءً!

وما أوسع الروح حين تدرك أن في السماء متّسعًا لنجوم كثيرة، وأن لمعان نجمٍ لا يحجب لمعان آخر.

لا تجعل فضل الآخرين مرآةً ترى فيها نقصك؛ انظر إليه كما هو: فضلًا أكرمهم الله به، واحمد الله على فضلك الذي أكرمك به.

فقد يكون نضج الإنسان الحقيقي في أن يرى من هو أفضل منه في شيء، فيعترف بذلك دون مرارة، ويبارك له دون تصنّع، ثم يعود إلى طريقه بقلبٍ أكثر رضًا.

وفي النهاية، حين تشرق نافذةٌ أخرى بضوءٍ أشد من ضوئك، هل ستتمنى أن يخفت نورها، أم ستتسع روحك لتقول: ما أجمل أن يكثر في العالم الضوء؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى