تقرير : انتصار فضل الله
شهد السودان خلال فترة الحرب عمليات واسعة لسرقة وتخريب كوابل الكهرباء بصورة ممنهجة، حيث تم نزعها من مواقعها في العاصمة الخرطوم وعدد من الولايات، بواسطة مجموعات وُصفت بأنها “خبيرة ومتمكنة” في هذا النوع من الأعمال، بغرض استخراج النحاس وبيعه أو تهريبه إلى الخارج.
وأدى هذا الاستهداف المباشر للكوابل إلى تدمير واسع في البنية التحتية للكهرباء وتعطيل الإمداد الكهربائي في مناطق عديدة، ما انعكس بصورة مباشرة على الخدمات الأساسية، إلى جانب توقف عدد كبير من المصانع والأنشطة الإنتاجية.
خسائر الكهرباء… أزمة تتجاوز الخدمة إلى الاقتصاد
ويشير مختصون إلى أن الأضرار لم تقتصر على فقدان الكوابل فقط، بل امتدت إلى خسائر في الشبكات والمحطات التحويلية وخطوط النقل، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة لإعادة التأهيل.
وبحسب تقديرات فنية أولية، فإن إعادة بناء أجزاء واسعة من شبكة الكهرباء في الخرطوم وحدها تحتاج إلى موارد تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات، في ظل ارتفاع تكلفة المعدات الكهربائية عالمياً وصعوبة توفيرها في الوقت الراهن.
ويأتي ذلك ضمن خسائر اقتصادية أشمل، حيث أكد اتحاد أصحاب العمل السوداني أن الحرب تسببت في خسائر تجاوزت 50 مليار دولار في القطاع الصناعي، إضافة إلى ما بين 20 و30 مليار دولار خسائر في القطاع الزراعي، مما يعكس حجم الضربة التي تلقاها الاقتصاد الوطني.
قرار إيقاف تصدير النحاس ثم إلغاؤه
وفي سياق متصل، كانت الحكومة قد أجازت قبل الحرب قراراً من مجلس الوزراء يقضي بإيقاف تصدير النحاس والكوابل، حمايةً للموارد الوطنية ومنعاً لاستنزاف البنية التحتية،
غير أن القرار تم إلغاؤه لاحقاً بعد صدور توجيهات من وزيرة مختصة سمحت بإعادة فتح باب التصدير، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً وسط الصناعيين وأصحاب المصانع، خاصة مع تزايد عمليات النهب والتخريب.
اتحاد أصحاب العمل: لا مبرر للتصدير في زمن الحرب
وقال رئيس اتحاد أصحاب العمل السوداني، معاوية البرير ل”إيلاف ” ، إن السماح بتصدير الكوابل أو النحاس المستخرج منها يمثل تهديداً مباشراً للاقتصاد الوطني وإعادة الإعمار.
وأضاف:”لا يمكن أن نقبل بأن تُدمَّر البلاد مرة أخرى تحت أي مبرر. من غير المعقول أن يُسمح بالتصدير في ظل ظروف حرب وعدم استقرار، بينما المصانع نفسها تعرضت للتخريب والتدمير.”
وأوضح البرير أن ما جرى داخل بعض المصانع لم يكن تلفاً عشوائياً، بل تخريباً مقصوداً تم بطريقة دقيقة شملت نزع مكونات أساسية من الماكينات، ما يشير إلى عمل منظم.
وطالب بضرورة معرفة من سمح بالتصدير ومن استفاد، داعياً إلى لجنة تحقيق مستقلة ومحاسبة واضحة.
تعليق وزارة الطاقة والتجارة
من جهتها، أكدت مصادر بوزارة الطاقة أن الحكومة تتابع بقلق بالغ الاعتداءات التي طالت البنية التحتية للكهرباء، مشيرة إلى أن حماية الشبكات وإعادة الإمداد الكهربائي يمثلان أولوية قصوى في المرحلة الحالية.
كما أوضحت وزارة التجارة ، في تعليق مقتضب أن أي إجراءات تتعلق بتصدير المعادن تخضع للوائح وضوابط تنظيمية، وأن الدولة تعمل على مراجعة السياسات بما يحقق المصلحة العامة ويحمي الموارد الاستراتيجية.
دعوات للشفافية والمحاسبة
ويحذر اقتصاديون من أن استمرار تهريب النحاس وتصديره في ظل الحرب سيقوض فرص إعادة الإعمار، ويزيد من تكلفة استعادة الخدمات الأساسية، ويؤثر سلباً على ثقة المستثمرين.
ويجمع أصحاب المصانع والقطاع الصناعي على أن إعادة بناء الاقتصاد تبدأ من وقف استنزاف الموارد، وفرض رقابة صارمة على الصادرات، وفتح تحقيق شفاف حول ملف النحاس والكوابل.