وسائل التواصل الاجتماعي وكشف تراجع التفكير النقدي والذهنية الفكرية وسط الطبقة المتعلمة السودانية
Mazin
م. جلال هاشم 12 مايو 2026
لقد كشفت وسائل التواصل الاجتماعي بصورة كاملة ظاهرة التراجع الحاد في التفكير النقدي والذهنية الفكرية وسط الطبقة المتعلمة السودانية (طبقة الأفندية). ويتجلى ذلك بوضوح في الاستخدام الواسع للمنشورات الجاهزة، سواء كانت عبارات تهنئة، أو أدعية، أو حتى آيات قصيرة من القرآن الكريم أو مقتطفات من أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الإرسال اليومي والآلي لمثل هذه المواد، بهذا القدر من الكثافة، من أشخاص يُفترض أنهم يمتلكون المعرفة التقنية والقدرة على تشغيل عقولهم بطريقة نقدية وفكرية، يكشف إلى أي مدى أصبح هؤلاء فقراء فكريًا. ولا يشمل ذلك بالطبع إعادة إرسال المواد التي تحفّز التفكير أو تنشّط الذهنية النقدية والفكرية بصورة منتظمة.
⸻
لديّ صديق مقرّب يعشق الزهور والورود عشقًا حقيقيًا، إلى درجة أنه يزرعها في حديقة منزله. وفي كل صباح، يقطف وردة معينة، ثم يلتقط لها صورة مقرّبة بكاميرا عالية الدقة، ويرسلها إلى أصدقائه مرفقة بعبارة: «صباح يوم سعيد». وكلما استلمت واحدة منها، قمت بحفظها في ملف خاص تحت اسم «صباح يوم سعيد».
هذا ليس إرسالًا آليًا لمنشورات جاهزة، أبدًا! بل هو فن، وحب للجمال الطبيعي، والإنسانية، كلها مجتمعة في فعل واحد.
كثيرًا ما فكرت في حظر أولئك الفقراء فكريًا ممن يرسلون المنشورات الجاهزة بصورة آلية، حتى أوفر على نفسي عناء حذفها باستمرار خشية أن تمتلئ ذاكرة هاتفي بها، لكنني كنت أتراجع. ففي نهاية المطاف، هم أصحاب نوايا طيبة، مهما بلغ فقرهم الفكري الحاد.
ثم بدأت أدرس الحالة، لأصل إلى أنها ظاهرة قائمة بذاتها: ظاهرة التراجع الحاد في التفكير النقدي والذهنية الفكرية وسط قطاع واسع من المتعلمين تعليماً عالياً. وبدأت أجري تجاربي عليهم، فأختار واحدًا منهم عشوائيًا في كل مرة، ثم أحاول إشراكه في موضوع فكري أو نقاش ذهني. فما النتيجة؟
لم تكن النتيجة سلبية بنسبة 100% بصورة متكررة فحسب، بل إنهم كانوا ينشطون بأقصى طاقتهم، ويغمرونني بمزيد من المنشورات الجاهزة. فبدلًا من تلقي منشور واحد يوميًا، أصبحت تصلني زخات متتالية طوال اليوم: زخة للفطور، وزخة للغداء، وأخرى للعشاء، وأخيرة قبل النوم. وخلال شهر رمضان، كانت هناك زخة إضافية قبيل الفجر للسحور! تخيلوا ذلك فقط!