أبعاد الدور الإثيوبي في الأزمة السودانية واستراتيجيات الردع

د. الهيثم الكندي يوسف

اتسمت العلاقات السودانية الإثيوبية في حقبة ما بعد الاستعمار بمتلازمة التعاون الحذر وتبادل الكروت. فرغم أواصر الجوار والروابط الشعبية، ظل المشهد السياسي محكوماً بنظرية دعم معارضة الجار، حيث تبادلت الخرطوم وأديس أبابا إيواء الحركات المتمردة لعقود كأدوات ضغط متبادلة. ومع اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل دخلت هذه العلاقة منعطفاً معقداً، بدت فيه أديس أبابا وكأنها تلعب أدواراً من وراء ستار، محاولة تحويل النكبة السودانية إلى رافعة لمعالجة أزماتها الداخلية وتحدياتها الخارجية.

ولتوضيح ذلك فإننا بحاجة إلى الإجابة عن السؤال التالي: ماذا تجني إثيوبيا من دعم مليشيا الدعم السريع؟

إن المقاربة الإثيوبية تجاه الأزمة السودانية لا تنفصل عن حسابات الربح والخسارة، وتتجلى هذه المقاربة في أربعة محاور استراتيجية:

1.محور الإنعاش الاقتصادي والدعم العسكري:

حيث يعاني الاقتصاد الإثيوبي من أزمات خانقة. وهنا يبرز التمويل والدعم الإماراتي – بصفتها حليفاً للمليشيا وأحد كبار المستثمرين في سد النهضة – كطوق نجاة مالي لأديس أبابا. هذا التحالف يضمن للأخيرة تدفق السلاح النوعي، لا سيما الطائرات المسيرة التركية والصينية التي حسمت سابقاً الصراع ضد تمرد التيغراي وقوات فانو بإقليم الأمهرا، وأنقذت النظام في أديس أبابا من سقوط وشيك كان سيعصف بالعاصمة.

2.محور ملف المياه ومستقبل الفشقة:

يمثل تفكيك الموقف التفاوضي السوداني الصلب تجاه سد النهضة هدفاً حيوياً، إذ أن صعود سلطة بديلة وموالية في الخرطوم يضمن تصفية هذا الملف لصالح أديس أبابا، بالإضافة إلى إحياء مقترح الشراكة الثلاثية (السودانية، الإثيوبية، الإماراتية) لاستغلال أراضي الفشقة الخصبة، وهو ما يعني عملياً شرعنة الوجود الإثيوبي وتجريد السودان من سيادته الجغرافية عليها.

3.محور تصدير الأزمات والمنفذ البحري:

يتيح الانخراط في الشأن السوداني صناعة عدو خارجي لتوجيه الرأي العام الداخلي بعيداً عن الصراعات العرقية المستعرة (التيغراي، الأمهرا، الأورومو). كما أن طموح إثيوبيا للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر يصطدم بالتحالف القوي بين إرتريا والحكومة السودانية، وبالتالي فإن إضعاف شرعية الدولة السودانية يسهم تلقائياً في عزل نظام أسمرا وإضعافه، مما يسهل الضغط عليه لتحقيق الحلم الإثيوبي في الوصول إلى البحر.

4.محور الدعم اللوجستي وحرب الوكالة:

كشفت التقارير الدولية بالصور والوثائق عن تسهيلات إثيوبية لوجستية تشمل معسكرات تدريب حدودية، ساهمت بشكل مباشر في سقوط مناطق بجنوب النيل الأزرق وصولاً إلى الكرمك. يضاف إلى ذلك فتح الأجواء لهبوط طائرات الإمداد القادمة من أبوظبي والمتجهة إلى مطار نيالا، واستقبال مصابي المليشيا، فضلاً عن تحول أديس أبابا إلى منصة سياسية آمنة لقيادات تنسيقية “تقدم” والقوى المناهضة للجيش السوداني.

اذا كانت هذه دوافع إثيوبيا للانخراط في الازمة السودانية، فلنأتي لموقف السودان ونرى كيف يجب أن تتعامل الدولة السودانية مع الملف الإثيوبي.

علي الدولة السودانية تبني استراتيجية ردع واضحة لمواجهة مخطط إسقاط الدولة، إذ يجب على السودان مغادرة مربع الدبلوماسية التقليدية وتبني حزمة خطوات حاسمة تتمثل في الآتي:

أولاً: تقوية وتماسك الجبهة الداخلية (التحصين السياسي والمجتمعي):

إن الردع الخارجي لأي دولة يبدأ من تماسك جبهتها الداخلية، فالتصدعات السياسية والمجتمعية هي الثغرات التكتيكية التي تنفذ منها القوى الإقليمية لتمرير أجنداتها. ولمواجهة هذا المخطط، يجب على الدولة السودانية العمل على صياغة كتلة وطنية عريضة تتجاوز الخلافات الحزبية الضيقة، وتلتف حول مشروع يدعم مؤسسات الدولة الشرعية وعلى رأسها القوات المسلحة. هذا التماسك يقطع الطريق على محاولات أديس أبابا لاستغلال الحواضن السياسية كأدوات لشرعنة المليشيا.

كما ينبغي سد منافذ الاستقطاب القبلي والجهوي، حيث تواجه الولايات السودانية المحاذية لإثيوبيا استهدافاً مستمراً لإحداث شرخ في نسيجها الاجتماعي. يتطلب ذلك تفعيل جهود الإدارة الأهلية والقيادات المجتمعية، لرفع الوعي بخطورة التماهي مع أي مخططات تخدم الأطراف الخارجية، وتحويل هذه الولايات إلى حوائط صد شعبية.

كما أن إدارة ملف اللاجئين بوعي من الأهمية بمكان، فالمعروف أن السودان يستضيف أعداداً ضخمة من اللاجئين الإثيوبيين. عليه يجب إخضاع هذا الملف لرقابة أمنية صارمة لمنع استغلال هذه التجمعات من قبل المخابرات الإثيوبية كخلايا نائمة، مع الحفاظ الكامل على البعد الإنساني وفق القوانين الدولية.

ثانياً: تقوية جبهة النيل الأزرق العسكرية وكسر شوكة التمرد:

يمثل إقليم النيل الأزرق العمق الاستراتيجي الحاسم في الصراع مع إثيوبيا، حيث تحاول أديس أبابا عبره خلق منطقة عازلة أو حزام فوضى يربط بين الأراضي الإثيوبية ومناطق سيطرة المليشيا. إن تأمين هذا المحور يتطلب استراتيجية عسكرية تقوم على إحكام السيطرة على الشريط الحدودى (محور الكرمك – قيسان) وتعزيز الانفتاح العسكري للقوات المسلحة السودانية وسد كافة الثغرات الحدودية لمنع أي إمداد لوجستي أو بشري قادم من معسكرات التدريب داخل إثيوبيا.

إن كسر شوكة التمرد في الكرمك يعني قطع الشريان المغذي للمليشيا في هذا القطاع. كما إن الحسم العسكري في محور النيل الأزرق يضمن حماية المنشآت الاستراتيجية الحيوية، وعلى رأسها سد الروصيرص الذي يمثل بعدا حيوياً للأمن المائي والكهربائي السوداني.

أيضاً يجب تفعيل المقاومة الشعبية المسلحة المنظمة عبر إشراك أبناء إقليم النيل الأزرق في الدفاع عن مناطقهم تحت إمرة وإشراف القوات المسلحة، مما يخلق عمقاً دفاعياً يصعب اختراقه، ويحرم إثيوبيا والمليشيا من ميزة التفوق العددي.

ثالثاً: الدبلوماسية الخشنة والتوثيق القانوني:

يجب على السلطات السودانية الانتقال فوراً إلى الهجوم الدبلوماسي عبر تقديم ملفات موثقة بالصور والأدلة إلى مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي لإثبات التسهيلات الإثيوبية للمليشيا، وتحويل اللعب من وراء ستار إلى مواجهة مكشوفة أمام المجتمع الدولي.

رابعاً: تفعيل كروت الضغط الإقليمية والتناقضات الداخلية:

يتأتي ذلك عبر تكثيف التنسيق العسكري والأمني مع مصر كجبهة موحدة في ملفي الحدود ومياه النيل. وكذا الحال بالنسبة للمياه المالحة في البحر الاحمر إذ تتطلب تنسيقا مع إريتريا. وبموازاة ذلك يمكن للسودان كإجراء دفاعي مشروع استثمار هشاشة البنية الداخلية لإثيوبيا وإعادة إحياء الصلات مع القوميات المناهضة لأبي أحمد (مثل الأمهرا وجبهة فانو) لجعل كلفة استمرار دعم المليشيا عالية على الأمن القومي الإثيوبي.

خامساً: المبادرة الاقتصادية المشروطة:

وذلك عبر ربط الاستقرار الأمني للمناطق الحدودية (الفشقة وبني شنقول) والمصالح التجارية الإثيوبية بالاعتراف الكامل بشرعية الدولة والجيش السوداني فقط، مع إفهام أديس أبابا أن الرهان على المليشيات هو رهان خاسر لن ينتج عنه سوى حزام من الفوضى الممتدة التي ستلتهم الجميع.

الخلاصة والمآلات:

في المحصلة تظل المقاربة الإثيوبية تجاه الأزمة السودانية رهاناً تكتيكياً محفوفاً بالمخاطر, إذ إن السعي لتحقيق مكاسب اقتصادية وجيوسياسية سريعة عبر بوابة دعم مليشيا متمردة يغفل حقيقة أن تفتيت الدولة السودانية لن يقف عند حدودها، بل سينعكس كأثر (الدومينو) على الجارة إثيوبيا التي تعيش فوق حقول من الألغام العرقية والسياسية القابلة للانفجار.

على القيادة في السودان إدراك أن كسر حلقة التآمر الإقليمي يتطلب تجاوز لغة الاستجداء الدبلوماسي نحو بناء معادلة ردع شاملة، ترتكز على قاعدة داخلية صلبة تمنع التفتت المجتمعي، وقبضة عسكرية قوية في جبهة النيل الأزرق تحسم التمرد ميدانياً. إن هذا التماسك مع الاستخدام الذكي لكروت الضغط الجيوسياسي هو السبيل الأنجع لإجبار أديس أبابا على مراجعة حساباتها والاعتراف بأن استقرار القرن الأفريقي يمر حتماً عبر بوابة السودان الموحد والقوي، لا عبر كيانات موازية عابرة للحدود، أو عبر محاور إقليمية بعيدة عن آثار الحريق.

Exit mobile version