واشنطن “الإمبريالية”.. شريك يثير قلق أوروبا

أمواج ناعمة
د. ياسر محجوب الحسين
لفت نظري اهتمام مركز تشاتام هاوس البريطاني، المرتبط تاريخياً بالمؤسسة الحاكمة البريطانية ودوائر صنع القرار والأجهزة الاستخبارية في المملكة المتحدة، بوضع موضوع العملية الأمريكية الأخيرة في صدارة اهتمامه، وتخصيص حلقة نقاشية جامعة في 19 فبراير القادم بعنوان: «التهديد الجديد؟ أمريكا إمبريالية». هذا الاهتمام لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي تشهدها السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ولا عن القلق المتزايد في العواصم الأوروبية من طبيعة الدور الأمريكي في العالم خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب. ولعل استخدام مركز تشاتم هاوس لمصطلح “الإمبرالية” أمر كافي لعكس حجم القلق الاوروبي، لا سيما بعد  عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
فهل تحولت الولايات المتحدة من قوة مهيمنة تغلّف نفوذها بخطاب القانون الدولي والتحالفات، إلى قوة إمبريالية صريحة لا تتردد في استخدام القوة المباشرة لتحقيق مصالحها؟ هذا السؤال لم يعد أكاديمياً، بل بات مطروحاً بقوة داخل دوائر صنع القرار الأوروبية ومراكز الفكر الغربية التي لطالما دافعت عن «النظام الدولي الليبرالي» بوصفه بديلاً أقل توحشاً من الإمبرياليات الكلاسيكية.
تتسم السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية الحالية بمنطق الصفقات النفعية، وتجاهل الأعراف والمؤسسات الدولية، واللامبالاة تجاه الحلفاء التقليديين، مع استعداد متزايد لاستخدام القوة العسكرية دون غطاء جماعي أو شرعية دولية. وقد سلطت عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الضوء على هذا التحول، إذ بدت رسالة سياسية تتجاوز كونها إجراءً أمنياً، مفادها أن واشنطن ترى نفسها مخوّلة بالتصرف كقوة تنفيذ عالمية خارج حدود السيادة الوطنية، مستندة إلى تهم جنائية وُجهت لمادورو منذ عام 2020.
بالنسبة لأوروبا، تبدو تداعيات هذا التحول عميقة ومقلقة. فالمسألة لا تتعلق فقط بمستقبل حلف شمال الأطلسي أو البنية الدفاعية الأوروبية التي تعتمد على المظلة الأمريكية، بل تمتد إلى تهديدات مباشرة للأمن الإقليمي. فقد لوّح ترامب سابقاً بضم غرينلاند، الإقليم التابع للدنمارك وعضو الناتو، وهو خطاب يُقرأ اليوم كدليل على تآكل الخطوط الفاصلة بين الحليف والشريك الإمبراطوري. كما أن وثائق الأمن القومي الأمريكية الأخيرة انتقدت الاتحاد الأوروبي بلهجة غير مسبوقة، ودعت إلى «زرع مقاومة» داخل المجتمعات الأوروبية، مع تركيز واضح على الهيمنة الأمريكية في النصف الغربي من الكرة الأرضية.
هذا النهج يعرض الناتو نفسه للاهتزاز، إذ يُنظر إليه بصورة متزايدة كأداة للهيمنة الأمريكية أكثر منه تحالفاً دفاعياً متكافئاً، ما يدفع دولاً أوروبية إلى التفكير جدياً في تعزيز استقلالها الدفاعي وتقليل اعتمادها الاستراتيجي على واشنطن.
استخدام مصطلح “الإمبريالية” هنا لا يحمل بعداً دعائياً بقدر ما يعكس تعريفاً تاريخياً واضحاً: توسيع النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري خارج الحدود، وفرض الإرادة بالقوة، مع تقويض سيادة الدول الأخرى. الجديد في الحالة الأمريكية ليس السعي إلى النفوذ، بل التخلي عن أدوات “الإقناع الناعم” والتحالفات متعددة الأطراف لصالح الإملاء والقسر، كما يتجلى في السياسات التجارية الجديدة وفرض تعريفات جمركية ألحقت ضرراً بالحلفاء قبل الخصوم.
> تؤكد حالة مادورو استعداد الإدارة الأمريكية لاستخدام القوة كأداة مركزية في سياستها الخارجية، ضمن رؤية تعتبر أمريكا اللاتينية مجالاً حيوياً خاصاً بواشنطن. وفي هذا السياق، تجد الدول نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: الخضوع أو المواجهة، وهو ما أثار اعتراضات دولية من قوى كبرى كروسيا والصين التي اعتبرت الخطوة انتهاكاً للقانون الدولي.
أما موسكو وبكين، فيمثل هذا التحول الأمريكي في آن واحد تهديداً وفرصة. روسيا تواجه خصماً أكثر اندفاعاً وأقل قابلية للتنبؤ، فيما تواجه الصين سياسة أمريكية أكثر صراحة في التصادم، تستخدم أدوات الحرب الاقتصادية والعقوبات إلى جانب تعزيز التحالفات العسكرية. ويرى بعض المحللين أن هذا النهج يسرّع من تآكل النظام المالي القائم ويعزز الانتقال نحو عالم متعدد الأقطاب.
وإذا كانت أوروبا تشعر بالقلق، فإن المخاوف تتضاعف في العالم النامي. فالدول الأضعف تجد نفسها أمام نظام دولي أكثر قسوة، تُهمَّش فيه القوانين الدولية وتُعاد صياغة العلاقات وفق منطق القوة. في مثل هذا العالم، يصبح اعتقال رئيس دولة سابقةً قابلة للتكرار، لا استثناءً، ما ينذر بمرحلة أكثر اضطراباً وخطورة في السياسة العالمية.
https://www.al-watan.com/article/214159/آراء-و-قضايا/واشنطن-الإمبريالية-شريك-يثير-قلق-أوروبا
Exit mobile version