الاحداث:ماجدة حسن
أعاد الفنان والممثل محمد تروس فتح النقاش حول مفهوم «الفنان السوداني» وحدود الهوية الثقافية في الفن، من خلال مداخلة نشرها على صفحته بموقع «فيسبوك»، معقباً على طرح الشاعر والمخرج أمين صديق بشأن الفنانين السودانيين الذين ينتمون إلى السودان، بينما يعملون وينتجون داخل بيئات وثقافات أخرى.
وجاءت مداخلة تروس في سياق نقاش يتجاوز مسألة الجنسية، إلى سؤال أكثر تعقيداً يتعلق بالهوية الفنية والثقافية: هل يظل الفنان سودانياً بالضرورة لمجرد انتمائه إلى السودان، أم أن طبيعة المنتج الذي يقدمه والمرجعيات الثقافية التي يستند إليها هي التي تحدد هويته الفنية؟
واستهل تروس مداخلته بالدعوة إلى توسيع النقاش، مستشهداً بفيلم «ستموت في العشرين» للمخرج أمجد أبو العلا، والذي حقق حضوراً وجوائز عالمية، معتبراً أن الفيلم حمل في تفاصيله وموضوعه وبيئته كثيراً من الخصائص الثقافية والحضارية السودانية، رغم أن تجربة مخرجه الشخصية وتكوينه الثقافي تمتد إلى أكثر من فضاء.
ويرى تروس أن حالة أبو العلا تفتح الباب أمام مراجعة التصنيفات التقليدية للفنانين، مشيراً إلى نماذج أخرى من المخرجين والممثلين والموسيقيين والمغنين السودانيين الذين يعيشون خارج البلاد أو تأثروا بثقافات متعددة، لكنهم ما زالوا يقدمون أعمالاً يمكن أن تحمل ملامح سودانية واضحة.
وضمن هذا السياق، أشار تروس إلى أسماء من بينها محمد الكردفاني، والعمدة، ومحمد شحاتة، وسارة القاضي، وعازفة الغيتار إسلام البيتي، إلى جانب فناني الراب سولجا وحليم ودا فنشي، باعتبارهم نماذج لاختلاط الهوية السودانية بمؤثرات ثقافية وجغرافية متعددة، مع استمرار حضور السودان في بعض منتجاتهم الفنية.
وانتقل تروس إلى الحالة الأكثر إثارة للجدل في النقاش، وهي المخرج سعيد حامد، الذي سبق لأمين صديق أن ميّز في حديث سابق بين انتمائه الوطني وهويته المهنية، بقوله إن سعيد حامد مواطن سوداني، لكنه ليس مخرجاً سودانياً.
ومن هنا، طرح تروس تصوراً عملياً مختلفاً، يقوم على إمكانية الاستفادة من خبرة سعيد حامد كمخرج محترف في إنتاج عمل سينمائي سوداني، حتى وإن كان اختياره الشخصي لهوية فنية وثقافية أخرى.
وضرب مثالاً بإمكانية إسناد إخراج عمل مقتبس من روايات الطيب صالح إلى سعيد حامد، مؤكداً أن المخرج المحترف، إذا أُسندت إليه قصة سودانية، يمكنه التعامل مع تفاصيل البيئة والشخصيات والموروث والموسيقى والعادات باعتبارها عناصر أساسية في بناء الفيلم.
واستحضر تروس في تصوره عدداً كبيراً من المفردات السودانية، من الصوفية والبخور والطلح والدلوكة والفركة والدعاش، إلى المريسة والبطان والعراقي والعرقي ومفردات الحياة اليومية في مناطق السودان المختلفة، مؤكداً أن حضور هذه العناصر داخل العمل هو ما يمنحه خصوصيته الثقافية.
ويصل تروس بذلك إلى جوهر مداخلته: الفصل بين هوية الفنان الشخصية وهوية العمل الذي يصنعه. فالفنان، وفق هذا التصور، يمتلك كامل الحق في تحديد انتمائه الثقافي وخياراته الجمالية والفنية، لكن ذلك لا يمنع من تصنيف عمله وفق البيئة والثقافة التي يعبر عنها.
ويضع النقاش، في المقابل، الوسط الفني السوداني أمام سؤال أكبر حول معنى «الهوية الفنية السودانية» في عصر أصبحت فيه الهجرة والتداخل الثقافي والإنتاج العابر للحدود جزءاً من تكوين الفنانين.
فهل تكون سودانية العمل مرتبطة بجنسية مخرجه، أم باللغة والموضوع والشخصيات والبيئة والذاكرة والموسيقى التي يقدمها؟ وهل يمكن لمخرج ينتمي إلى ثقافة أخرى أن يصنع فيلماً سودانياً خالصاً؟ أم أن الهوية الفنية في نهاية المطاف اختيار شخصي لا يمكن فرضه على المبدع؟
أسئلة أعاد محمد تروس طرحها بقوة، لتفتح النقاش من جديد حول الحدود بين المواطنة والانتماء والهوية الثقافية وهوية المنتج الفني، وحول من يملك حق تعريف «الفن السوداني» في ظل جيل جديد من المبدعين الذين تشكلت تجاربهم بين أكثر من بلد وثقافة.