عادل الرفاعي ابوالحسن
في مدارسنا الابتدائية، عرفنا الأَلْفَة؛ ذلك التلميذ الذي يُؤتمن على انضباط الفصل و حفظ هدوئه، و منع الهرجلة و الفوضى. كان يسجّل الحضور و الغياب، و يدوّن أسماء المهرجلين ليقدّمها لأستاذ الفصل، و إذا غاب الأستاذ عن حصته، تولّى ضبط الفصل حتى لا تنفلت الأمور.
و لم تكن مهمته تنتهي بانتهاء اليوم الدراسي؛ فقد تمتد إلى فترة المذاكرة، عَصْرِيَّةً كانت أو مسائيةً. هناك يزداد حرصاً على النظام، حتى يستفيد كل تلميذ من وقته في التحصيل و المراجعة و أداء الواجبات. و كان يتأكد مسبقاً من توافر الإضاءة، فإذا طرأت مشكلة في الكهرباء، تواصل مع الأستاذ النبطشي أو المشرف لمعالجتها قبل بدء الفترة، حتى يجد التلاميذ المكان مهيأً، و يتفرغوا لما جاؤوا من أجله.
كان الأَلْفَة تلميذاً بين زملائه، لكنه كان يعيش مسؤوليته بجدية و أمانة، و يؤدي دوره كاملاً رغم حداثة سنه و بساطة تجربته. لم يكن ينتظر تفاقم المشكلات حتى يتحرك، بل كان يبادر، و يرصد الخلل، و يبحث عن الحلول، و يساعد زملاءه على تهيئة الظروف المناسبة لدراستهم. كان يشعر بالمسؤولية و يتصرف على أساسها، لا لأن أحداً يراقبه في كل خطوة، بل لأنه أدرك أن الأمانة تقتضي أن يؤدي ما عليه دون انتظار أو تهاون.
وفي بلادنا التي أنهكتها الحرب، و تتعاظم فيها معاناة المواطن، يبدو المشهد العام أحياناً كفصلٍ غاب عنه أستاذه، و اختلطت فيه الأصوات، و ضاعت الأولويات. تتراكم الأزمات، بينما ينتظر المواطن أبسط مقومات الحياة: الأمن، و الغذاء، و الماء، و الكهرباء، و العلاج، و سبل الحركة و التنقل.
و هنا تكمن المفارقة: من يكون أَلْفَة السودان إن لم يكن رئيس الوزراء، بحكم موقعه على رأس الجهاز التنفيذي؟ أليس من صميم مسؤوليته أن يتابع أداء مؤسسات الدولة، و يتأكد من أن كل جهة تؤدي واجبها، و أن شؤون البلاد لا تُترك للتخبط و تراكم المشكلات؟
لسنا بحاجة إلى معجزات، أو إلى إعلانات عن مشروعات ضخمة لا يلمس المواطن أثرها العاجل؛ بل نحتاج إلى إدارة تقدّم ما لا يحتمل التأجيل، و تتابع التنفيذ على أرض الواقع، بدلاً من الاكتفاء بالتقارير و التصريحات.
إن حماية المواطن تبدأ ببسط الأمن و تفعيل دور الشرطة، و ضمان انسياب السلع و وسائل النقل، و صيانة محطات الكهرباء و شبكات المياه، و توفير قطع الغيار، و دعم المستشفيات و المراكز الصحية، و المحافظة على انتظام المدارس كلما سمحت الظروف. قد لا تتوافر الموارد الكافية لكل شيء، لكن حسن إدارتها و توجيهها إلى الضروريات يظل واجباً لا يقل أهمية عن توفيرها.
و لنتذكر أن الأَلْفَة لم يكن ينتظر حتى تعم الفوضى، أو تنقضي فترة المذاكرة قبل أن يكتشف غياب الإضاءة؛ بل كان يتحسب للمشكلات، و يبادر إلى معالجتها قبل أن تعطل ما جاء التلاميذ من أجله. فإذا كان هذا هو المنتظر من تلميذ صغير في فصل مدرسي، أفلا يكون أولى بالانتظار من رئيس وزراء يقود الجهاز التنفيذي في دولة بأكملها؟
فالمواطن لا يقيس أداء الدولة بكثرة التصريحات، بل بما يلمسه في حياته اليومية من أمن و خدمات و قدرة على تدبير معاشه. و في أوقات الحرب و الشدة، تصبح كفاءة الإدارة و سرعة الاستجابة و تحمّل المسؤولية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
فيا رئيس الوزراء، لا نطلب منك أن تصنع المعجزات، بل أن تضبط إيقاع العمل، و تتابع أداء المسؤولين، و تجعل احتياجات الناس في مقدمة الأولويات. فالدولة، مهما اشتدت أزماتها، لا يجوز أن تغيب عنها مسؤولية رعاية مواطنيها.
و لعلّ الشعب السوداني، والله أعلم، لم يعد يطلب المستحيل؛ كل ما يريده أن يجد من يتحمّل المسؤولية، و يبادر إلى الحلول، و يتابع شؤون البلاد بأمانة و جدية. فإذا تعذّرت المعجزات، فليقم رئيس الوزراء، على الأقل، بدور الأَلْفَة؛ يضبط إيقاع الفصل، و يتأكد من أن الأنوار مضاءة، و أن التلاميذ يجدون ما يعينهم على مواصلة دراستهم.
فما أحوج السودان إلى أَلْفَةٍ يحافظ على الهدوء، و يضبط إيقاع الحياة، و يضمن انتظام الأمور و انسياب الخدمات، و لا يغادر مكانه قبل أن يتأكد من أن كل شيء يسير كما ينبغي!
عودة إلى الأَلْفَة:
فالأَلْفَة لم يكن وحده؛ كان خلفه أستاذٌ يوجّه، و ناظرٌ يقود، و وزارةٌ ترعى، و منهجٌ تربويٌّ يبني، و أسرةٌ تتابع و تغرس القيم.
فهل فقدنا الأَلْفَة وحده، أم فقدنا شيئًا من المنظومة التي كانت تصنع الأَلْفَة و تسنده؟