هل سنترك الجيش يحارب وحده؟

فيما أرى
عادل الباز !
١
أخطر تحول يمكن أن يحدث في هذه الحرب هو أن تتحول من حرب الشعب إلى حرب الجيش وحده. الواقع اليوم يؤكد هذا التحول المقلق: بينما تتعاظم المخاطر وتتكاثف المؤامرات الخارجية والداخلية، يزداد انصراف الشعب عن تداعيات ما يجري وعن المخاطر المحدقة بالوطن يوماً بعد يوم.

المأساة الحقيقية أن الشعب، في اللحظة نفسها التي ينصرف فيها عن معركته الوجودية، ينصرف الجيش عنه أيضاً. حتى الهتاف الذي كان يعبر عن وحدة المصير — «جيش واحد شعب واحد» — بدأ يضعف ويخفت صداه.

مثال واحد يكفي ليرسم الصورة بكل وضوح وألم: خروج فريق الهلال العاصمي من بطولة الأندية الإفريقية أثار ضجيجاً هائلاً في وسائل التواصل الاجتماعي، فاق بكثير الاهتمام بسقوط الكرمك في أيدي الغزاة. وهنا يتجلى الصمت المزدوج المؤلم: لا الحكومة ولا الجيش أبلغا الشعب بما جرى في الكرمك، ولا الشعب نفسه أبدى اهتماماً يُذكر. صمت الجيش، وانصرف الشعب يبحث عن لقمة عيشه ومصائره اليومية.

٢
كانت حروبنا السابقة في معظمها حروب الجيش وحده. كنا نسمع أخبارها من بعيد، لا ننشغل كثيراً بضحاياها ولا بخسائرها، كأنها لا تعنينا مباشرة. كانت تدور رحاها في الهامش جنوباً وغرباً، فيخوضها الجيش وحده، بينما يبقى الشعب بعيداً، معلوماته شحيحة وتأثره غير مباشر.

أما حرب المرتزقة والعدوان الإماراتي اليوم، فقد اندلعت في قلب العاصمة ووسط المدن الكبرى، فأصبحت حرب الشعب والجيش معاً لأول مرة في تاريخ السودان الحديث. رأينا كيف وقف الشعب كله خلف قواته المسلحة، واستجاب لنداء النفرة، وتجند شبابه بالآلاف، وقاوم المتمردين والغزاة بماله وسلاحه وإعلامه. كان الشعب مستنفراً حقاً، والوحدة بين الجيش والشعب كانت ملموسة وقوية.

المؤسف أن هذا التضامن والتعاضد الوطني بدأ يتآكل الآن، بل كدنا نقول للجيش: «اذهب أنت وجندك وقاتل، ونحن هنا منصرفون لتدبير مصائرنا». هذا الإحساس الخطر تغذيه وسمّه وهم كبير: توهم الناس أن الحرب انتقلت إلى الهامش ولن تمسهم مباشرة كما حدث في الحروب السابقة.

لكن هذا وهم خطير ومدمر. هذه الحرب مختلفة تماماً. إنها تزحف الآن من الأطراف إلى الداخل: في الأيام الأخيرة فقط، سقطت الكرمك الاستراتيجية قرب الحدود الإثيوبية بعد هجوم نفذته قوات الدعم السريع بالتحالف مع قوات الحركة الشعبية – شمال، وسط اتهامات حكومية بتورط خارجي وانطلاق الهجوم من العمق الإثيوبي. هذا السقوط فتح جبهة جديدة تهدد الدمازين وسد الروصيرص، وأدى إلى نزوح عشرات الآلاف، ومع ذلك مرّ الخبر مرور الكرام في الشارع السوداني! والأخطر أن الكرمك ليست مجرد بلدة حدودية عادية؛ فهي تشكل حزاماً دفاعياً متقدماً لحماية خزان الروصيرص — ثاني أكبر السدود في السودان ومصدر رئيسي للكهرباء — كما أنها تتحكم في طرق الإمداد الحيوية، مما يفتح الباب أمام تقدم التحالف نحو الدمازين، مع نزوح يتجاوز السبعين ألف شخص في أيام معدودة.

كذلك تهدد الطينة من حدود تشاد، وتهدد الشمالية من حدود ليبيا. بل إن التقدم في النيل الأزرق يهدد الآن مدينة قيسان ويضع الدمازين وسد الروصيرص تحت مرمى الخطر المباشر. إنها حرب تستهدف السودان كله، وليست تمرداً محدوداً في منطقة محدودة. من ظنّ أنها لن تصله فهو يخدع نفسه ويخون الوطن.

وليس الشعب وحده من انصرف عن الجيش، بل إن الجيش — أو على الأقل مؤسساته الإعلامية والتواصلية — بدأ ينصرف عن الشعب أيضاً. لا أحد يخبر الشعب بما حدث وما سيحدث وما هو مطلوب منه الآن. ويمكن قراءة هذا الانفصال الخطر من خلال عدة شواهد واضحة:

١. تراجع وتيرة الاستنفار الشعبي، إن لم نقل إنه توقف تماماً، وبدأ يتسلل إلى عقول المواطنين الشعور بأن الحرب انتهت، وكأن البلاد سجلت انتصارها النهائي على الجنجويد.
غاب الخطاب التعبوي الموحد الذي يربط بين الجيش والمواطن العادي. فقدنا ذلك الإحساس المشترك الذي ساد طوال السنوات الماضية.

٢. انشغال الشعب بتدبير لقمة العيش داخل الوطن وفي دول المهجر. هذا الانصراف القسري أخرج الشعب من دائرة الفعل والتأثير في مجريات الحرب، فأصبح مجرد مراقب أو ضحية، وليس مشاركاً منفعلاً بما يحدث كما كان قبل عامين. ضعف اهتمامه بوقائع القتال، وتعزز لديه الإحساس بأن الحرب قد ابتعدت عنه.

٣. على المستوى السياسي الرسمي، الأمر مخجل. لا نشعر بأننا أمام حكومة حرب حقيقية. هذه الحكومة لا أمل في إنجازها في أي مجال، سواء في ترتيب مؤسسات الدولة أو على مستوى معاش الناس، ولا أمل في أن تقدم أي إسهام حقيقي في معركة الحرب.

٤. الأحزاب السياسية وكل الكيانات الاجتماعية لا تجعل ما يجري في جبهات القتال من أولوياتها. آخر اهتمامها هو ميادين القتال. كل همهم يدور حول صراعات الكراسي والمناصب في البرلمان القادم، وكأن الوطن لا ينزف دماً حتى الآن.

٥. الإعلام الرسمي يكتفي ببيانات عسكرية فقيرة المعلومات، بينما تغرق وسائل التواصل في الترفيه والفضائح والمباريات. لم يُبنَ خطاب إعلامي يومي يُذكّر الشعب بأن الحرب لم تنتهِ بعد، وأن كل انتصار يحتاج إلى استمرار الاستنفار واليقظة. هذا الفراغ يملأه الشائعات والدعاية المعادية.

٦. الإرهاق النفسي والاقتصادي الشديد بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب: الناس يعانون الغلاء الفاحش، البطالة، انقطاع الكهرباء، نقص الدواء، وتهجير الآلاف . هذا الإرهاق يولّد شعوراً طبيعياً باليأس والرغبة في «نسيان» الحرب. لكن هذا اليأس بالذات هو السلاح الأقوى الذي يعتمد عليه العدو.

٣
النتيجة الخطيرة إذا استمر هذا الانفصال: سيحارب الجيش وحده بموارد محدودة ومعنويات منهكة، بينما يستغل العدو الداخلي والخارجي هذا الضعف ليوسّع دائرة الاحتلال والنهب والتفتيت. الحرب لا تُخسر فقط في الجبهات العسكرية، بل تُخسر أيضاً على جبهة الوعي والإرادة الشعبية.

٤
الآن رسالتي إلى النائمين على مخدات الوهم… استيقظوا الآن، فهذه ليست حرب الجيش فقط، ولا حرب حزب أو إقليم، وهي ليست بعيدة عنكم. هذه «حرب وجود».
إما أن نعود جميعاً — جيشاً وشعباً وسياسيين وإعلاميين — إلى مربع الوحدة والاستنفار والتعاضد، أو نترك الوطن نهباً لأجندة الجنجويد والإمارات.
الخيار الآن بين أيديكم: إما أن تظلوا تنامون على مخدات الوهم… أو تستيقظون فنعود إلى الوحدة مع جيشنا، ويعود جيشنا إلينا.
والخيار الآخر الذي أمامنا هو أن يبتلعنا الظلام جميعاً.

Exit mobile version