ليست عملة جديدة فقط .. بل معركة على معنى الدولة

نعمان يوسف محمد

لم تعد قضية الأوراق النقدية المتداولة مؤخراً في بعض مناطق سيطرة الدعم السريع مجرد نقاش حول فئة نقدية جديدة أو أزمة سيولة فرضتها الحرب؛ فقد كشفت التطورات المتداولة عن أبعاد أكثر تعقيداً تتصل بجوهر الدولة نفسها: من يملك حق إصدار المال؟ ومن يملك سلطة منح الثقة للعملة؟ ومن يملك القدرة على إدارة الاقتصاد عندما تنهار الحدود بين الصراع العسكري والصراع المؤسسي؟

فالعملة ليست مجرد ورقة مطبوعة تحمل رقماً وقيمة، بل هي أحد أهم رموز السيادة الوطنية. فمنذ نشوء الدول الحديثة إرتبط إصدار النقد بالمؤسسات الرسمية، وعلى رأسها البنك المركزي، بإعتباره الجهة التي تمنح العملة شرعيتها وتحافظ على إستقرارها. ولذلك فإن ظهور أوراق نقدية خارج القنوات المعتادة، أو تقديمها للرأي العام بإعتبارها مرتبطة بجهة سياسية أو عسكرية، يحمل رسائل تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة وإدارة الصراع.

ووفق معلومات متداولة من مصادر مطلعة، فإن الأوراق النقدية محل الجدل ليست بالضرورة طبعة جديدة جرى إنتاجها حديثاً، وإنما قد تكون من طبعات نقدية أنجزت خلال عام 2022 وكانت محفوظة ضمن مخزونات البنك المركزي أو مطابع العملة، قبل أن تخرج من نطاق السيطرة الرسمية خلال أحداث الحرب. وإذا صحت هذه الرواية، فإن الأمر يأخذ منحى مختلفاً تماماً؛ إذ لا يصبح التحدي في إصدار عملة جديدة، وإنما في إعادة تقديم عملة رسمية سابقة داخل سياق سياسي جديد، بما قد يمنحها وظيفة رمزية تتجاوز قيمتها النقدية.

فالخطورة هنا لا تكمن فقط في تداول الورقة النقدية، بل في الرسالة المصاحبة لها: إظهار القدرة على الوصول إلى واحدة من أكثر أدوات الدولة حساسية، وهي المنظومة النقدية. فالسيطرة على المال لا تعني فقط إمتلاك وسيلة للتبادل، بل تعني إمتلاك أداة للتأثير في حركة الاقتصاد، وفي قرارات الأفراد، وفي علاقة المواطن بالمؤسسات.

وتزداد حساسية المشهد إذا إرتبطت الورقة النقدية بتوقيع محافظ سابق لبنك السودان المركزي؛ فالتوقيع على العملة ليس مجرد إجراء فني أو تفصيلاً طباعياً، بل يمثل ختم المؤسسة النقدية ومرجعيتها القانونية والرمزية. ولذلك فإن استخدام ورقة تحمل توقيعاً من مرحلة سابقة قد يُقرأ سياسياً باعتباره محاولة للاستفادة من رمزية المؤسسة الرسمية وإعادة توظيفها خارج سياقها الأصلي.

وفي الحروب، لا تكون الرموز أقل أهمية من الوقائع؛ فالعلم، والختم، والعملات، كلها أدوات لإرسال رسائل عن وجود السلطة وقدرتها على فرض حضورها. ولهذا فإن معركة العملة قد تكون في جوهرها معركة على الصورة الذهنية للدولة: من يمثلها؟ ومن يملك أدواتها؟ ومن يستطيع إقناع الناس بأن لديه القدرة على إدارة حياتهم اليومية؟

اقتصادياً، يمثل هذا الوضع خطراً بالغاً على وحدة السوق السوداني. فالاقتصاد لا يعمل بالورق وحده، بل بالثقة. وعندما تصبح العملة نفسها جزءاً من الصراع، فإن المواطن يجد نفسه أمام أسئلة صعبة: ما الذي يقبله السوق؟ ما الذي يحتفظ بقيمته؟ أي جهة تضمن الحقوق المالية للناس؟ وكيف يمكن حماية المدخرات في بيئة تتغير فيها قواعد التعامل؟

وقد أظهرت تجارب دول عديدة عاشت الإنقسامات السياسية أن ظهور ترتيبات نقدية موازية يؤدي غالباً إلى مزيد من التشظي الاقتصادي، وإرتفاع تكلفة التجارة، وإتساع الفجوة بين المناطق، لأن السوق الواحد يحتاج إلى مرجعية نقدية واحدة حتى يحافظ على قدر من الإستقرار.

لكن القضية الأعمق تظل سياسية بإمتياز: هل نحن أمام معالجة مؤقتة لفراغ نقدي فرضته الحرب؟ أم أمام محاولة لبناء ملامح سلطة اقتصادية موازية تبدأ من العملة وتمتد إلى بقية مؤسسات الدولة؟

في النهاية، فإن الصراع على النقود ليس صراعاً على الورق؛ إنه صراع على من يملك تعريف المستقبل.

فالعملة في أي بلد هي مرآة الدولة .. وإذا إنكسرت هذه المرآة، فإن إنعكاساتها لا تصيب الاقتصاد وحده، بل قد تمس فكرة الوطن نفسها.

Exit mobile version