ثمة حراك دبلوماسي متجدد حول مقترح هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً.
لكن التجربة السودانية منذ 2023 تقول إن المشكلة لم تكن يوماً في نقص مبادرات وقف إطلاق النار.
كانت المشكلة في الفجوة بين الاتفاق السياسي والواقع العسكري.
هناك أسباب واضحة.
أولاً، كل طرف يحسب قيمة التفاوض على ضوء موقعه في الميدان. عندما يعتقد طرف أنه قادر على تحقيق مكاسب إضافية عسكرياً، ترتفع تكلفة تقديم التنازلات.
ثانياً، تعريف الهدنة نفسه موضع خلاف. هل تعني تجميد القوات حيث هي؟ أم تتضمن انسحابات؟ ومن أي مناطق؟ ومن يراقبها؟
ثالثاً، السودان لم يعد حرباً بين قوتين فقط. هناك تشكيلات مسلحة وحركات وقوات محلية وتحالفات ميدانية متعددة، ما يجعل تنفيذ الاتفاق أكثر تعقيداً.
المقترح الأميركي، وفق المعلومات المنشورة اليوم، يحاول معالجة جانب من هذه المشكلة من خلال آلية رقابة دولية وإقليمية وإدخال مسألة الانسحابات المحدودة ضمن المرحلة الأولى.
لكن ذلك يفتح بدوره السؤال الأصعب: ماذا يحدث عند تسجيل أول خرق؟
هل توجد عقوبات؟ ومن يحدد المسؤول؟ وهل تستطيع آلية المراقبة الوصول فعلياً إلى مناطق القتال؟
ثم يأتي ملف المساعدات.
الشكوى السعودية بشأن استهداف شاحنة الإغاثة قرب الأبيض تجعل حماية الممرات الإنسانية جزءاً من المفاوضات، لا مجرد ملف جانبي.
وهذا ربما يكون المجال الذي يمكن أن يختبر فيه الوسطاء جدية الأطراف.
بدلاً من البدء بتسوية سياسية شاملة، يمكن اختبار وقف الهجمات على القوافل والمنشآت المدنية وفتح ممرات محددة.
نجاح ترتيبات صغيرة قابلة للقياس قد يكون أكثر قيمة من اتفاق كبير لا ينفذ.
لكن المعضلة النهائية تبقى واحدة: هل ترى الأطراف أن ثمن استمرار الحرب أصبح أعلى من ثمن التسوية؟
الإجابة عن هذا السؤال، وليس عدد الاجتماعات الدولية، ستحدد مستقبل الوساطة