هل العالم في غفوة أم في غفلة أم غدا كسفينة في أعالي البحار بلا قبطان؟!
Mazin
الدكتور الخضر هارون
الذي يشهده العالم من هزات وتغيرات وأحداث جسام تدخل في سياق ما عنته العرب بالقول لغرابته ومخالفته لما ألف الناس خلال الثمانين عاما الماضية ، بالأمر الذي يجعل الحليم حيراناً .فقد أطمأن الناس إلي ما أطلقت عليه أمريكا “باكس أمريكانا PAX Americana” وتعني العبارة اللاتينية ، السلام الأمريكي اي الذي صنعته أمريكا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لمنع قيام حرب عالمية أخري بوضع نظام عالمي تحكمه قوانين تضبط العلاقات الدولية بين الدول وصنعت لرعاية تلك القوانين ،منظمات وأعراف ومحاكم . وأهم ما في ذلك النظام العالمي هو المساواة بين الدول واحترام َسيادتها علي أراضيها وحرمة التدخل في شؤونها الداخلية والتزمت بنشر القيم الديمقراطية الليبرالية بإعتبارها ركيزة للسلام العالمي . وتلك التدابير ضمنت لأمريكا في ذات الوقت الريادة علي العالم دون أن تحمل نعتاً سيئا يستبطن البغض وكراهية الظلم كالامبراطوريات الاستعمارية السابقةً رغم أنها كانت بحق قوة عسكرية ضاربة ربما لم يشهد التاريخ مثيلا لها وكانت كذلك الأقوي في ميادين الاقتصاد والتأثير الدبلوماسي علي نطاق المعمورة وقد أطلق البعض عليها لقب الإمبراطورية الحميدة! وكنت قد حضرت في العقد الأول من هذا القرن محاضرة في معهد المشروع الأمريكي المحافظ لبريطاني متشدد يلح عليها أن تسفر عن وجهها الحقيقي كامبراطورية حقيقية بلا مساحيق ذلك عقب غضبتها المصرية بعد اعتداءات سبتمبر علي أراضيها تلك الدعوة التي ربما يحاول ترامب تنفيذها اليوم .وتوشك هذه الحقبة الناعمة علي الفناء بقيام نقيضها بما أسمته وول استريت جبرنال Max Americana أي هيمنة أمريكية تامة علي العالم أثناء عهدة الرئيس دونالد ترامب الثانية هذه سيما في زمان بدت تتعدد فيه الأقطاب وينكسر فيه احتكار المعارف المفضية للرفعة وامتلاك ناصية القوة بما يجعل سيطرة قطب واحد عليه ضربا من المستحيل. وفي هذه السطور أحاول سبر أغوار هذا التحول ومعرفة ارهاصات قدومه منذ بعض الوقت. أولها أن أمريكا لم تلتزم بما أقامت عليه النظام العالمي الذي يهتز الآن بالتدخل باكرا في الحرب الكورية ثم فيتنام والعراق وأفغانستان وليبيا وتلك كانت إشارات تحذيرية لبقية القادرين علي التمام بالقول بلسان الحال: تدبروا أمركم لقادمات الأيام. ثم اكتملت الهيمنة بسقوط المعسكر الشرقي الاشتراكي في تسعينيات القرن العشرين وبدت شنشنة تتحدث عن التدخل الإنساني ابتدعتها فرنسا فتذكر الناس ذرائع التكالب علي افريقيا منذ مؤتمر برلين ٨٤- ١٨٨٥. ثم جاءت العولمة فكتب ديفيد روثكوف كتابه عن الطبقة السوبر التي حلت محل النخب الوطنية واستبدلتها بما أسماه نخب العولمة وهي نخب لأثرياء من دول عديدة تجمعهم المصالح وحدها فأصبحوا هم من يديرون العالم فأضعفوا بذلك الدولة القطرية ، حتي نفوذ رئيس الولايات المتحدة تأثر بذلك واعتراه الضعف.
صاحب تأثير العولمة ظهور الإنترنت ، الصيحة التي تتطور كل يوم وتلج بالعالم عصر الذكاء الاصطناعي وكنت قبل سنوات قد قدمت استعراضا لكتاب مهم بعنوان: موت الخبرة: الغارة علي المعرفة الثابتة المؤكدة، ومدي خطورة ذلك! • The Death of Expertise: The Campaign Against Established Knowledge and Why it Matters (2017, Oxford University Press) ISBN 0190469412
-والكتاب من تأليف البروفسور توم نيكلاس ، أستاذ العلاقات الدولية بكلية الحرب البحرية وكلية الدراسات الإضافية التابعة لجامعة هارفارد وهو خريج علوم سياسية وتخصصه الوظيفي حاليا هو أستاذ في مجال الأمن الوطني ،اختصاصي في شؤون الاتحاد الروسي والحرب الإلكترونية وله علاقات زمالة في عدد من مراكز البحوث الأمريكية المعروفة كما أنه يعد في زمرة المحافظين الذين عارضوا بشدة نسخة الرئيس السابق دونالد ترامب المحافظة في الحزب الجمهوري وأعلن مغادرته للحزب ليبقي مستقلاً . صدر الكتاب عن مطبعة جامعة أكسفورد عام ٢٠١٧ وهو يحوي ٢٥٢ صفحة من القطع المتوسط. والكتاب مكون من ستة فصول عدا المقدمة والخاتمة.( استعراض الكتاب كاملاً متاح بموقعنا مقامات . نت الخضر هارون وفد أجريت مع المؤلف لقاءات تلفزيونية عديدة لاستجلاء ما غمض من رؤي في الكتاب تجدونها علي اليوتيوب. فصول الكتاب الستة مقسمة لتسليط الضوء علي أسباب الظاهرة ،ظاهرة الحملة المعادية للخبرة وللمعارف الثابتة علمياً في المجالات المختلفة و أسباب نفور العامة من المختصين وتناقص الثقة فيهم في المجالات كافة ، في الطب والهندسة والتأريخ والصحة العامة مع تعاظم ثقة زائفة في المقابل لدي العامة في أنفسهم وفي معلوماتهم وحصيلة ما يعرفون وتشكيكهم في إفادات كل مختص في أي فن من الفنون أو ضرب من المهارات .وتلك حالة يصفها بالنرجسية الضارة وتضخيم الذات غير المسبوق في الثقافة الأمريكية.. خصص المؤلف الفصل الأول للعلاقة بين الخبير المختص في مجال ما من مجالات الاختصاص وبين عامة المواطنين وأشار إلي كونها علاقة مأزومة محفوفة بالتشكيك من قديم لكن الأمر ازداد تعقيداً علي نحو غير مسبوق كما تقدم ، كما فصله في كل مجال في الفصول التالية ويري أن الأمر يعد أمراً خطيرا بحاجة إلي المعالجة. الفصل الأول : الخبراء والمواطنون ؟ استهل هذا الفصل بمقتبس لخبر من مجلة ساخرة كوميدية تسمي البصل يقول: ” مدينة واشنطن العاصمة: مشيرين لسنوات من الإحباط جراء نصائح جادوا بها لم تفهم أو شوهت أو أهملت ببساطة فإن أكبر خبراء أمريكا في المجالات المختلفة قد قدموا استقالات جماعية هذا اليوم الاثنين.” بالطبع لا صحة لذلك لكنه تسليط للضوء علي موضوع هذا الفصل من الكتاب بهذه الطريقة الدرامية والمكتوبة بصيغة الأخبار والبيانات الصحفية في الولايات المتحدة تحديدا. يقول نحن نعرف أولئك المواطنين فقد التقيناهم جميعاً فهم زملاؤنا في العمل و هم أصدقاؤنا وأفراد عائلاتنا. هؤلاء جميعاً فيهم الشاب الحدث والشيخ الكبير الهرم وفيهم الغني والفقير والمتعلم وآخرون سلاحهم جهاز كمبيوتر محمول أو بطاقة عضوية في مكتبة عامة يجمعهم أمر واحد: هم مواطنون عاديون يحسبون أنهم يملكون كنزاً دفيناً من المعارف جميعاً! وأنهم أكثر معرفة من الخبراء وأوسع معرفة من البروفسورات وأنهم أعمق معرفة من الكتل البشرية الساذجة التي يسهل خداعها، وأنهم هم المفسرون الذين هم علي أتم السعادة والاستعداد لتنويرنا عن كل شيء من تاريخ الامبريالية وحتي خطورة أمصال التطعيم. عمد هنا إلي تعريف مراده من الكتاب بتعريف المشكلة بأنها ليست مجرد عدم اكتراث المواطن العادي بالحقائق والمعارف الثابتة التي لا يساور الشك أحدا في صدقيتها بل تكمن الأزمة في عداوة شديدة إزاء المعارف والحقائق المثبتة. ويقول هذه ظاهرة جديدة في الثقافة الأمريكية وخطيرة. إذ تغدو الحقيقة عند الناس مجرد رأي . فرأي الآخر ينبغي أن يعد صالحاً وإن لم يكن أي تصبح الحقائق الثابتة ومثار جدال بين الناس. ويقول إن رفض الحقائق الثابتة علمياً يعد للأسف لدي قطاع من الناس بمثابة بطاقة معرفة عميقة لحاملها و مظنة علم غزير . ويضرب لذلك مثالاً حول زوبعة أثيرت حول لبن الأبقار غير المبستر أي الخاضع للمعالجة عبر عمليات تنقية وتعقيم. يقول فشا في الناس أن اللبن الطازج المحلوب للتو من ضرع الأبقار أفضل غذائياً وأحسن مذاقاً، قالها كبير طهاة في احدي المطاعم في بوسطن فانتشر الخبر وأقبل الناس علي اللبن الطازج اقبالاً كبيرا حتي اضطرت الجهات الصحية لتحذير الناس بأن منتجات الألبان غير المعالجة تعرض من يتناولها ١٥٠ مرة أكثر للإصابة بالأمراض بسبب الباثولوجين المسبب للأمراض. يجئ الرد من العامة بأن لماذا نصدق الخبراء والأطباء وقد أخطأوا من قبل في شأن البيض والزبدة ؟ عندما أكدوا ضررها ثم اتضح أن لا ضرر من تناولها ؟وعليه فإنهم دوماً مخطئون! لذلك يقوم بتعريف الخبراء بأنهم ” هم الناس الذين يعرفون في موضوع بعينه أكثر مما نعرف نحن جميعاً وهم من نرجع إليهم طلباً للنصح في التعليم أو نلتمس عندهم الحلول في أمر من أمور المعارف البشرية. تذكر أن ذلك لا يعني أن الخبراء يعرفون كل شيء تريد معرفته في ذلك الشأن. فقط يعني أن الخبراء في موضوع بعينه وفي حدود اختصاصهم، هم الأقلية التي تكون معرفتها هي التي يعتد بها – أي هي الصحيحة والدقيقة أكثر من أي شخص آخر.”( ص ٣٠). يقول إن الشهادات والدرجات العلمية في أي ضرب من المهارات، في التعليم ،في الطبابة، في التمريض وغيرها هي لوازم تفصل بين الهواة والمحترفين وهي ناجحة في رفد الحياة بالمؤهلين أصحاب العلم والتجربة. صحيح أن البعض ينجحون في اجتياز الامتحان ويحصلون علي الوظائف لكنهم يظلون هناك دون ابداعات حقيقية. وهنا يورد عبارة شهيرة للأديب ارنست همنغوي عن الكتابة فيقول، ” الجدية الحقة أساس متين في فن الكتابة أما الشرط الآخر لها للأسف هو الموهبة”! بمعني أن العلم بالتعلم أما التفوق والتميز يأتي بالموهبة. وعزا بعض زعزعة الثقة للإنترنت وقال رقم فوائده الجمة في نشر المعارف إلا أنه أصبح مطية للتضليل والإثارة ( لاحظ ذلك قبل التوسع في استخدامات الذكاء الاصطناعي الذي وصفه بيل قيت مؤسس ما يكروفوست أنه سيحل محل الأطباء والمعلمين بعد عقد واحد من الآن ).أما تناقص الثقة في النخب وفي التعليم العالي. فقد قال إن الجامعات العليا في الولايات المتحدة تعد من أفضل الجامعات إلا أن التعليم اكتسب صفة تجارية تستهدف الربح والطلاب أصبحوا في الجامعات زبائن يحسب لهم حساب وانتقد بشدة مساهمتهم في تقييم الأستاذة وأنه إذا اشتجر الـخلاف بين طالب وأستاذ تساند الجامعة الطالب كزبون ” إن الجامعات الأمريكية هي الأفضل في العالم ومع ذلك فإن التوسع الذي شهده التعليم العالي بعد الحرب العالمية الثانية أضر كثيرا بفاعليته وجعل الجامعات وحتي الكليات الصغيرة تتوسع فيه أكثر بلا ضرورة بغية التربح الذي جعل العلاقة بين الطالب والجامعة تماثل علاقة الزبون في حقل التجارة بالتاجر وأن الزبون (الطالب هنا) هو الأهم. هذه العلاقة السلعية جعلت الجامعة أو الكلية كمنتج قد حطمت قيمة الشهادة الجامعية وأفقدت ثقة عامة الناس في جدواه”. والذي لم يقله الكاتب هو حقيقة يشكو منها كثيرون وهي أن بعض الجامعات ذات الصيت مثل رابطة IVY وبعض مراكز البحوث وبعض كبريات الصحف كنيويورك تايمز وواشنطن بوست وغيرها قد أصبحت كالأصنام تعيق التفكير خارج الصندوق وتبقي علي النظام دون انتقاد أو تغيير لذلك تجتهد جماعات محافظة للانفلات من قبضتها. وهكذا يفغر العالم فاه من هول الدهشة ويتساءل في رعب إلي أين يسرع العالم الخطي؟! وأي مصير ينتظر الحياة والأحياء؟!