سؤال اليوم |
القاهرة – سماح طه
لم يعد السؤال الذي يشغل الصحفيين في السودان هو كيف يقومون بتغطية الأحداث، بل كيف ينجون أثناء تغطيتها. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تحولت مهنة البحث عن الحقيقة إلى مهمة محفوفة بالمخاطر، وأصبح الصحفيون يواجهون القتل والاعتقال والاختفاء القسري والاحتجاز والتهديد والنزوح، في وقت تتراجع فيه مساحة الحريات وتتزايد المخاطر التي تحيط بالعاملين في وسائل الإعلام.
ووفقًا لتقرير سكرتارية الحريات بنقابة الصحفيين السودانيين، فقد تم توثيق 590 انتهاكًا بحق الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام منذ اندلاع الحرب وحتى مطلع عام 2026. وشملت الانتهاكات القتل والإصابة والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والاحتجاز والتهديد والاعتداءات الجسدية ومصادرة المعدات ونهب المؤسسات الإعلامية وإغلاقها، إلى جانب حملات التشهير وخطاب الكراهية. كما أكدت النقابة أن الحرب أودت بحياة 34 صحفيًا وصحفية، في واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ الصحافة السودانية.
وزادت المخاوف داخل الوسط الصحفي بعد إصدار نيابة المعلوماتية أوامر قبض وإعلانات بحق أكثر من 47 صحفيًا باعتبارهم “متهمين هاربين”، في خطوة أثارت موجة واسعة من الانتقادات، وعدّها صحفيون مؤشرًا مقلقًا على اتساع استخدام الإجراءات القانونية في قضايا النشر.
وفي تعليقه على الواقعة، قال الصحفي ضياء الدين بلال إن التجارب السابقة أثبتت أن مثل هذه القضايا لا تصل إلى منصات القضاء، معتبرًا أن الغاية من هذه الإجراءات ليست تحقيق العدالة، وإنما إرهاق الصحفيين ومعاقبتهم. وأضاف أن تدخل وزير العدل أصبح ضرورة لوضع حد لما وصفه بالتعسف، ومنع إساءة استخدام الإجراءات القانونية بحق الصحفيين، بما يضمن أن يظل القانون وسيلة لتحقيق العدالة لا أداة للتضييق على حرية الصحافة.
من جانبه، قال الصحفي محمد عبدالقادر إن إعلانه “متهمًا هاربًا” أثار دهشته، مؤكدًا أنه لم يتلقَّ أي استدعاء من النيابة أو إخطار رسمي بالحضور، ولم يُبلَّغ بتدوين بلاغ في مواجهته قبل نشر الإعلان. وأوضح أن البلاغ يتعلق بمواد صحفية منشورة، وأنه كلف محاميًا بمراجعة النيابة لمعرفة أسباب الاستدعاء، مشددًا على أنه سيخوض المعركة القانونية بعد الاطلاع على ملف البلاغ.
وأضاف أن وصفه بـ”المتهم الهارب” يفتقر إلى الأساس القانوني، متسائلًا: “كيف أُتهم بالهروب وأنا لم أتسلم أصلًا أمر قبض أو استدعاء؟”، مشيرًا إلى أنه كان داخل السودان خلال الفترة الماضية وظهر في وسائل الإعلام بصورة علنية، الأمر الذي ينفي أي محاولة للاختفاء.
وحذر عبدالقادر من أن إعلان 47 صحفيًا باعتبارهم “متهمين هاربين” يمثل مؤشرًا خطيرًا في العلاقة بين السلطات والصحافة، داعيًا إلى احترام الضمانات القانونية وخصوصية قضايا النشر، حتى يبقى القانون أداة لتحقيق العدالة لا وسيلة للتشهير أو التضييق على الصحفيين.
ولم تكن هذه الواقعة الوحيدة التي أعادت ملف الانتهاكات إلى الواجهة، إذ أعلنت نقابة الصحفيين السودانيين مؤخرًا تلقيها معلومات مؤكدة عن تدهور الحالة الصحية لثلاث صحفيات محتجزات في نيالا منذ فبراير الماضي، مطالبة بالإفراج الفوري عنهن وضمان سلامتهن، في تأكيد على أن استهداف الصحفيين لا يزال مستمرًا.
وسط هذه الوقائع، طرحت “الأحداث” سؤالها لهذا اليوم على عدد من الصحفيين:
هل أصبحت الصحافة جريمة؟ وهل يُطلب من الصحفي أن يكون سياسيًا أو منحازًا، أم أن رسالته تظل البحث عن الحقيقة ونقلها للرأي العام؟
مزدلفة محمد عثمان: الصحافة مهنة البحث عن الحقيقة
قالت الصحفية مزدلفة محمد عثمان، في إفادة لـ”الأحداث”، إن الصحافة ليست جريمة، وإنما هي مهنة البحث عن الحقيقة والوصول إلى المعلومة وتنوير الرأي العام، عبر الكشف المستمر عن الحقائق وتقديمها للجمهور في قوالب صحفية مختلفة، سواء في شكل خبر عاجل، أو خبر متكامل، أو تحقيق، أو تقرير، أو مواد مدعومة بالصور ومقاطع الفيديو.
وأضافت أن كشف الحقائق كثيرًا ما يمس مصالح أصحاب النفوذ والمستفيدين، الأمر الذي يدفع بعضهم إلى تصوير العمل الصحفي وكأنه جريمة، لتبدأ بعدها عمليات الملاحقة والتهديد وربما الابتزاز، بهدف خلق مناخ من الترهيب يمنع الصحفي من الاستمرار في أداء رسالته باستقلالية.
وأوضحت أن أبرز التحديات التي تواجه الصحفي اليوم تتمثل في الحفاظ على المسافة الفاصلة بين المهنية ومجاراة السلطة أو محاولة إرضائها، مؤكدة أن الصحفي الذي يتمسك بالحياد والاستقلالية، ويضع الحقيقة فوق كل اعتبار، لن يرضخ للترهيب أو التهديد، وسيظل قادرًا على أداء رسالته والانتصار للمهنة في نهاية المطاف.
مها التلب: الحياد لا يعني التخلي عن الحقيقة
وقالت الصحفية مها التلب، في إفادة لـ”الأحداث”، إن الصحافة ليست جريمة، لكنها قد تُعامل كذلك في ظل الأنظمة التي لا تؤمن بالحريات، وتضيق على حرية التعبير، وتستهدف الصحفيين بسبب قيامهم بواجبهم المهني في نقل الحقيقة.
وأضافت أن الصحافة الحرة تمثل ركيزة أساسية لأي مجتمع يسعى إلى الشفافية والمساءلة، وأن أداء العمل الصحفي يجب ألا يكون سببًا للملاحقة أو العقاب.
وأوضحت أن الحياد المهني لا يعني التخلي عن الحقيقة أو المساواة بين الوقائع والمعلومات المضللة، وإنما يعني الالتزام بالمهنية والمصداقية والدقة والإنصاف وإتاحة الفرصة لعرض مختلف وجهات النظر، مؤكدة أن الحياد هو التزام بأخلاقيات المهنة وليس موقفًا من الحق.
وكشفت أنها تعرضت، وما تزال تتعرض، لانتهاكات متواصلة شملت الاستهداف والترصد والتمييز بسبب عملها الصحفي، لكنها شددت على أن تلك الممارسات لن تدفعها إلى التخلي عن رسالتها أو التنازل عن مبادئ الصحافة المهنية.
وقالت: “لن أكون صحفية تُسخَّر لخدمة رغبات الآخرين، ولن أبيع قلمي مقابل المال، ولن أشارك في حملات مدفوعة الثمن أو أستخدم الصحافة أداة للمصالح. سأظل صحفية حرة، منحازة للحقيقة وحدها، مؤمنة بأن الكلمة الصادقة أقوى من كل محاولات الترهيب والإسكات.”
بين المهنة والخطر
تكشف الوقائع والإحصاءات وإفادات الصحفيين أن التحدي لم يعد يقتصر على الحصول على المعلومات أو الوصول إلى مصادرها، بل أصبح يتعلق بالحق في ممارسة المهنة دون خوف من القتل أو الاعتقال أو الملاحقة أو التشهير. فالصحفيون لا يطالبون بامتيازات خاصة، وإنما يطالبون بحقهم في العمل بحرية واستقلال، وفق ما تكفله القوانين والمواثيق الدولية.
وبينما تتعدد أشكال الانتهاكات، يبقى الثابت أن استهداف الصحفي لا يمس شخصه وحده، بل يمس حق المجتمع في الوصول إلى المعلومات ومعرفة الحقيقة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: إذا أصبح ثمن نقل الحقيقة هو السجن أو القتل أو الاختفاء القسري أو الملاحقة القانونية، فهل أصبحت الصحافة جريمة؟ أم أن الجريمة الحقيقية هي إسكات الحقيقة وحرمان المجتمع من حقه في المعرفة؟.