نور القبة والهرج: هل استسلم، هل تاب؟ هل انسلخ؟

عبد الله علي إبراهيم

ملخص

لقد جاء منسلخاً، وهذا أمر مختلف جداً، ونحتاج درءاً لمثل هذا الخوض المشوش في واقعة انشقاق نور القبة إلى توطينها في مصطلحها حتى لا نكلفها ما لا طاقة لها به.

انشغل الرأي العام في الأسبوعين الماضيين بانسلاخ اللواء النور أحمد آدم الشهير بـ”نور القبة” في منتصف أبريل الجاري من قوات “الدعم السريع” وانضمامه إلى القوات المسلحة على 80 مركبة بعتادها. و”القبة” هي بلدة اللواء شمال شرقي ولاية دارفور. وقد بدأ نور القبة حياته العسكرية بالانضمام لاستخبارات الحدود التي هي تسمية نظام الإنقاذ لعصب “الجنجويد”، الذين ساءت سمعتهم بعدما انتدبهم في أوائل القرن لحرب حركات الكفاح المسلح في دارفور، فاحتاجت إلى تبييض. ثم صارت تلك الاستخبارات هي حرس الحدود تحت قيادة القوات المسلحة. ولما انحل حرس الحدود صار ضابطاً بالقوات المسلحة في عام 2008. ولم ينضم لـ”الدعم السريع” أول نشأته عام 2013 وتحول إليه بعد قيامه بقانون من المجلس الوطني عام 2017. ونور القبة رقم كبير في “الدعم السريع” حتى قيل إنه الرجل الثالث فيه بعد محمد حمدان دقلو، الزعيم المؤسس، ونائبه أخيه عبدالرحيم دقلو. فهو مقاتل مجرب شديد البأس ذو أدوار قيادية في كل جبهات قتال “الدعم” في الخرطوم والجزيرة، وتولى قيادة حصار مدينة الفاشر واحتلالها بعد مصرع اللواء على يعقوب.

جاء خبر خروج نور القبة على “الدعم السريع” إلى ساحة حرب وصفها أحدهم بالازدواجية. فهناك الحرب التي تُجرى بين القوات المسلحة السودانية وقوات “الدعم” وأحلافهما في ميادين القتال، وهناك الحرب التي تُدار من حولها بين “قبائل” مدنية حداثية ومحافظة، دارت رحاها لعقود في مدارس السودان وجامعاته. وبين الحربين برزخ، فاعتزلت الجماعات الحداثية بصورة عامة حرب الميدان لما اتفق لهم أنها عبثية، أو ملعونة، تدور بين جنرالين نهمين للحكم. وجاء اعتزال الجماعة المحافظة للحرب على رغم اعتقادها في شرعيتها، بل وحماستها لطرف القوات المسلحة، نتيجة استغراقها في الحجاج مع خصومها التاريخيين استغراقاً صرفها عن أداء مطلوبات مدنية للحرب ليست أقل خطراً من العسكرية.

اختطفت الحرب المدنية انشقاق نور القبة في مصطلحها. فتجدها طوته في مصلح أخلاقي تفاوضي بينما يقع مثله في حيز إدارة مكر الحرب. فانشغلت الجماعة الحداثية في حربها المدنية بسؤال إن كان انسلاخ نور القبة وعودته إلى ما قالوا إنه “حضن الوطن”، وحفاوة القوات المسلحة به، مما سيسقط العفو عليه من جرائمه التي كان الجيش يذيعها عنه خلال خدمته “الدعم السريع” في الحرب. ووصفت عودته بـ”الاستسلام” أو “التوبة”، مما دفع بالقوى المحافظة لتدلي بدلوها أيضاً على بينة من فقه التوبة.

فيشترط الحداثيون لحفاوة الدولة بمثل عودة نور القبة أن يحاسب أولاً على أوزاره وأن تقبل الحكومة، طالما فاوضته لينضم إلى صفها، بمفاوضة آخرين من خصومها امتنعت دائماً عن الجلوس معهم على طاولة لإنهاء الحرب.

الكاتب محمد الفاتح حضرة وصف عودة نور القبة وأبو العاقلة كيكل، قائد “درع السودان” الذي خرج على “الدعم السريع” خلال أكتوبر 2024، بالمساومة التي تخرق العدالة الانتقالية وتفرط في حق الضحايا وجبر ضررهم الناجم عن انتهاكاتهم. وسأل حضرة إن كنا بانشقاق القبة أمام مشروع سلام قائم على رؤية متماسكة، أم أمام إدارة للأزمة عبر “تدوير الخصوم”. فأخذ على القوات المسلحة أنها ترفض التفاوض مع “الدعم السريع”، ولكنها تقبل في صفوفها قيادات منه عبر مفاوضات وتسويات غير معلنة. فإذا أمكنت التسويات مع بعض قادة التمرد كما هو واضح، في قوله، فلماذا تغلق الباب تماماً مع أي مسار تفاوضي شامل مع الطرف الرئيس في الصراع. ووصف موقف الحكومة بأنه غير مبدئي بل سياسي صرف بحسب الحاجة لا وفق قاعدة أخلاقية أو وطنية مستقرة. ومن الواضح أن حضرة انزلق بغير ضرورة من خروج نور القبة بحيثياته كما سنرى إلى حث القوات المسلحة لتبتدر دعوة شاملة للمفاوضات مع سائر “الدعم السريع” وإلا كان الأمر مكاء وتصدية.

ووجد المحافظون في مجاز التوبة والجنوح للسلم سانحة ليدلوا بدلوهم الثيولوجي عن منزلة العفو في الإسلام. فلما استنكر الحداثيون الحفاوة بنور القبة مما سيترتب عليه العفو عن جرائمه في “الدعم السريع” جاء أحدهم بقوله تعالى “إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم” (المائدة 34) ليقول إن نور القبة ممن لم نقدر عليه. وجاؤوا بقطع من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في العفو عمن تأخر عن الدعوة، أو أفحش قبلاً. فقال “سيأتيكم عكرمة (ابن أبي جهل) مؤمناً مهاجراً، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت”. كما سأل الرسول عمر بن الخطاب أن يكف يده عن سهيل بن عمر بعد بدر وقال له “لا والله ولعله يقف موقفاً يعز الإسلام” وفعل. وهذا هدي بليغ حسن إلا من أن نور القبة لم يأت الجيش وقد رأى نور “حرب الكرامة”، كما يسمي الجيش حربه، كما تقول العجم.

لقد جاء منسلخاً، وهذا أمر مختلف جداً، ونحتاج درءاً لمثل هذا الخوض المشوش في واقعة انشقاق نور القبة إلى توطينها في مصطلحها حتى لا نكلفها ما لا طاقة لها به.

جاء اللبس لمفهوم الانسلاخ (defection) في الخطاب حول نور القبة من مصطلحات قاربه بها أهل الحرب الثانية مثل “التوبة” و”الاستسلام” و”التسليم”. وكلها نابية عن فهم الانسلاخ على وجهه الصحيح. فهو تعريفاً هجران شخص أو جماعة لقضية أو عقيدة ارتبطوا بها برباط ما وانعقد بذمتهم الولاء لها. فمن وراء الانسلاخ سياسة حملت المنسلخ عليه. وهذه السياسة هي ما غاب عمن خاضوا في انشقاق نور القبة كما سنرى. فهو لم يهزم بعد ليستسلم أو يسلم. ولم يقدم على الانسلاخ عن توبة بعدما غشته غاشية ندامة ليلقى عند خصمه القديم حسابه العسير على ما ارتكب في الحرب. خلافاً لذلك فالمنسلخ في نظر هذا الخصم استثمار لا عالة أو متهماً يأمل به أن يرجح كفة الميدان لصالحه. فمن وهن العقل أن يرى المرء في انسلاخ مثل نور القبة فرصة سنحت لتصفية حساب بائت، أو مبيت، كما أمل حداثيو حرب السودان الأخرى. فالانسلاخ نفسه يبطل إذا ما انتظر المرء منه حساباً في الطرف الآخر من الحرب الذي ترحل إليه.

ولم يخل انسلاخ من سياسية وعزائم من ورائه خفيت على أهل حربنا. فما انتظر أي منسلخ أن يلقى ممن تحول عن جيشه إليه أن يحاكمه على سوابقه. فالقائد الأميركي بنديكت آرنولد (1749-1801) أبلى بلاء مشهوداً في حرب الاستقلال الأميركية قبل أن يتحول إلى صف البريطانيين. وساقه إلى ذلك سوء معاملة في جيش الثورة تمثلت في حجب الترقية عنه علاوة على ضيق ذات يد عثر به فاحتاج. وعندما اتصل سراً بالجيش البريطاني رحبوا به ولم يطرأ لهم حسابه وجعلوه عميداً في جيشهم.

وجان- بابتستي برنادوت (1844-1763) تحول عن جيش نابليون بونابرت للجيش السويدي كرهاً في ما رآه شططاً في توسعه أوروبياً بالحرب وأعان على هزيمته عام 1813. ومن غرائب الانسلاخ هو خروج مارتن جيمس مونتي على الجيش الأميركي خلال الحرب العالمية الثانية ليلتحق بقوات النازية الألمانية. وسببه فريد لأنه كان يرى أن من استحق الحرب هو الاتحاد السوفياتي لا ألمانيا. ويذكر في الصدد الأميركي الأسود ماكنلي نولان الذي سلم نفسه لقوات الفيت كونق في فيتنام خلال الـ22 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1967. وقيل إنه تحول إلى الفيتناميين لأنه عانى اضطهاداً عنصرياً طوال حياته. وظهر في دعايات شيوعية يدعو أمة السود في الجيش الأميركي للانضمام إلى ركبه.

وكانت من وراء انسلاخ نور القبة مقاصد. فمع ما يبدو ظاهراً أنه انشق قبلياً تضامناً مع موسى الهلال، ناظر المحاميد، بعد اعتداء “الدعم السريع” على مقره في بادية مستريحة بنهايات فبراير (شباط) الماضي عدواناً ساء كثيراً من المحاميد، إلا أن روايات أخرى تقول إنه صدر في خروجه على “الدعم السريع” من تظلم مؤسسي. فانتظر نور القبة في قولها أن يعين قائداً عسكرياً لشمال دارفور بعد اكتساحه للفاشر، إلا أن “الدعم” اختار غيره من أقرباء حميدتي. وقيل إنه خرج مغاضباً إلى مدينة كتم، التي تقع على بعد 30 كيلومتراً من بلدة “القبة”، ولم تكترث “الدعم” له بل بعثت تطلبه بقوات مسلحة لاعتقاله. وقيل إنه سجل زيارة لهلال في مستريحة، بل وذلل للناظر هلال سبل النجاة قبل اجتياحها. ولابد أن هلال أغراه بالانشقاق مع أن العلاقة بينهما لم تكن عامرة كل الوقت. فكان نور القبة على خلاف معه عام 2007 إلى جانب حميدتي لما كانا في حرس الحدود.

وأما السياسة الأشد خطراً من وراء انسلاخ نور القبة فهي التي في تركيبة “الدعم السريع” نفسه التي تسمح لمثله أن يغادره إلى الخصم بعدته وعتاده وفي أي وقت. وهذه التركيبة هي التي لا يعرف عنها جماعة “لا للحرب” شيئاً ولا يرغبون حتى في معرفتها. فبينما كادوا يحصون أنفاس الميليشيات والقوى التي تحالفت مع القوات المسلحة، وأنذروا من انفجارها في وجه السودان يوماً قريباً، يضربون صفحاً عن تكوين “الدعم السريع” الذي يتشقق أمام ناظريهم في مثل انسلاخ كيكل ونور القبة. فـ”الدعم السريع” قائم لا على وحدة سلسلة الأمر والنهي العسكرية، بل على قوى الفزع التقليدية. فهو عصب قبلية مسلحة ذات استقلال ذاتي عليها عقيد من أهلها. ويقوم اقتصادها على الغنيمة من الميدان العسكري وإكراهاً للمدنيين بالشفشفة ودفع الدية وربط الطريق للرسوم. وخرج من قريب القائد في “الدعم السريع” علي رزق المشهور بـ”سافنا” ليضع الناس في حقيقة هذه العلاقة مع “الدعم السريع”. ولا يمر يوم لا تهدد عصبة قبلية ما في فيديو مذاع برسالة موجهة إلى حميدتي شخصياً عن مظلمة ما قد تضطرها لاستدعاء أبنائها من المقدمة إن لم يرفعها قائد “الدعم السريع” عنهم. وبدا أن صبر نور القبة على سوء تعامل “الدعم” قد نفد ولم يحتج لأكثر من الترحل إلى العدو بجنده وعدته وعتاده.

غير خافٍ أن الحرب المدنية، التي ثارت هذه المرة حول انسلاخ نور القبة، لم تسعفنا لفهم أدق للحرب وأوثق كما ينتظر المرء من صفوة الرأي والقلم. فتعذر علينا معرفة السياسة التي وراء خروجه على “الدعم السريع” إلى القوات المسلحة لأنها لم توتد نقاشها في مصطلح الانسلاخ كما ينبغي في مثل وصف هجرته من “الدعم” إلى الجيش. ويبدو للمرء أن لو بدأ العالم، الذي ما كف عن تزكية المدنيين لدور مركزي في إنهاء الحرب وما بعدها، بوقف نيران حرب الصفوة التاريخية هذه قبل حرب الجنرالين لأحسن إحساناً كبيراً.

Exit mobile version