العبيد أحمد مروح
مقدمة:
خوازميات الفيس بوك، ذكرتني اليوم بمادة نشرتها على صفحتي الشخصية في 29 أكتوبر 2023 ، أي بعد نحو ستة أشهر ونصف الشهر، من إندلاع الحرب.
ما استوقفني، ليس هو التذكير في حد ذاته، فهو أمر طبيعي يفعله هذا (الكائن) المسمى “فيس بوك”، ولكن هو “مناسبة الاختيار” ، فتاريخ التذكير مثلاً لا يصادف مرور عام أو كذا عام على المناسبة، ولا يصادف حتى مناسبة دينية كرأس السنة الهجرية مثلاً .. والتفسير الوحيد هو أن الفيس – الله لا كسبو – أصبح يقرأ شواغلنا وما يعتمل في دواخلنا !!
وعلى كل حال أترك الحكم على ما جاء في المقال للقارئ ، وله بطبيعة الحال أن يستنتج ما يراه ، فإلي المقال:
قبل أن تندلع الحرب الحالية بنحو ثلاثة أيام، دعانا رئيس تحرير صحيفة “الإنتباهة” للتفاكر في مآلات الأوضاع، أراد أن يستمع وفريق التحرير الأساسي، إلى مجموعة مختارة توسَّم فيهم القدرة على الإستقراء.
كنا مجموعة محدودة من كتاب الرأي والمحللين، وقد كان السؤال الأساسي: هل ستندلع الحرب في ضوء التوتر الذي بلغ يومها مداه، أم لا، وكيف ستكون المآلات في الحالتين ؟
ركزتُ في مداخلتي على البعد الخارجي للأزمة، وقلت إن الخارج كان له نصيب الأسد في التغيير الذي حدث في أبريل 2019م، وأنه – الخارج – مازال يُصر على هندسة الأوضاع في البلاد على النحو الذي يخدم مصالح أطرافه، وهي سردية كتبت عنها عدة مقالات منذ العام 2020.
وعلى الرغم من أني رجّحتُ فرضية عدم اندلاع الحرب، تأسيساً على تحليل خلاصته أن “الخارج” المهيمن على القرار الوطني، لا مصلحة له في إنفجار الأوضاع، كونه حَسُن العلاقة برأسي السلطة، إلا أنني ذهبت – في مداخلة لاحقة – إلى أن الأوضاع في السودان تسير باتجاه أحد النموذجين الليبي أواليمني، فكلاهما نموذج لدولة مشلولة، لا تحيط السلطة المركزية فيها بكامل التراب الوطني، وتتقاسم النفوذ فيها أكثر من قوة مسلحة ذات ظهير خارجي يتولى تمويلها وتدريبها لتقوم بحماية مطامعه في ثروات البلاد.
أحد المشاركين، وافقني في مقولة هيمنة الخارج على القرار الوطني، لكنه ذهب إلى القول أن النموذج الذي يُراد للسودان هو أقرب للنموذج العراقي منه إلى الليبي أو اليمني، مستنداً على حيثيات محاولة القوى الخارجية لتمكين قوى مدنية تدين له بالولاء من مفاصل السلطة وخلق ديمقراطية شكلية.
انفض سامر ليلتنا تلك، واندلعت الحرب، لكن سؤال المآلات ما يزال بلا إجابة شافية، فمِن قائل أن مخطط تقسيم السودان يجري على قدم وساق، مستشهداً بما حدث قبل يومين في حاضرة ولاية جنوب دارفور وما قد يحدث في مدن أخرى، ومِن قائل أن الهدف هو الخرطوم وبالتالي الاستيلاء على كامل السلطة، إن لم يكن في هذه الجولة ففي جولات قادمة.
في الحالتين ما يزال يتهدد بلدنا خطر وجودي، لا تجدي للتصدي له حالة السيولة السياسية والتنفيذية الراهنة.
وعلى القوى السياسية التي تدرك هذا الخطر الماثل، أن تتذكر أنه كلما مضى الوقت سيزداد تمدده، وأنه لا مناص من استنهاض همة الجميع للتصدي له قبل أن نصبح بلا وطن نختلف حول مَن يحكمه.